تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الدراية في شرح الكفاية ( ط . ق ) — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
والأول : تصويب إلا أنه لا داعي إلى الالتزام به بل الحكم الواقعي الانشائي على حاله علم به أم لا ؟ قامت الحجة على خلافه أم لا ؟ وكون مؤدى الأمارة ذا مفسدة غالبة ، أو ذا مصلحة مضادة غالبة على مصلحة الواقع ، أو ذا مصلحة مماثلة أقوى موجبة لفعلية الحكم على وفقها لا يقتضي سقوط مصلحة الواقع عن الاقتضاء كي تخلو الواقعة عن الحكم رأسا بسقوط ملاكه ، بل يقتضي سقوط مقتضى الحكم الواقعي عن التأثير وبلوغه درجة الفعلية وصيرورته بعثا جديا . الثاني : مع أنه ليس من شؤون الأجزاء ، لاجتماع عدم فعلية الواقع حال الجهل مع عدم الاجزاء ليس من التصويب في شئ لبقاء الحكم الواقعي المشترك بين العالم والجاهل على حاله كما أن اختصاص الجاهل بحكم فعلي آخر كك ، إذا المجمع عليه اشتراك الجاهل مع العالم لا العكس . والثالث : يؤكد ثبوت الحكم المشترك لأن مجرد قيام الأمارة وتعلق الجهل لم يوجب السقوط بل إتيان المأمور به الظاهري المحصل للغرض ، وسقوط الحكم بسقوط غرضه ، أو بعدم إمكان حصوله كسقوطه بإطاعته ومعصيته ليس من التصويب قطعا إذ المراد من ثبوت الحكم المشترك ليس هو الثبوت أبدا ولو مع الإطاعة والمعصية أو ما بحكمهما بل مجرد الثبوت حال الجهل بحيث لا يختلف حال العالم والجاهل . قلت : الحكم الذي أمره بيد المولى ( 1 ) هو الانشاء بداعي جعل الداعي و
هامش
( 1 ) حيث أن الفعلية عنده قدس سره - غير متقومة في نفسها بالوصول وأن سقوط الحكم عن الفعلية بلحاظ فعلية حكم أخر على وفاقه أو على خلافه فلذا كان التصويب عنده في مرحلة الفعلية دون الواقع الكسر والانكسار بين مقتضيات الفعلية لا بين مقتضيات الأحكام بنفسها إلا أن هذا المبني حيث أنه غير صحيح حتى عنده - قدس سره - على ما ذكره - قدس سره - في مبحث جعل الطريق مما يرجع إلى ما سلكناه . فلا محالة لو كان هناك كسر وانكسار لكان بين مقتضى الحكمين الصادرين من الشارع ومقتضى سقوط المقتضى عن التأثير سقوط مقتضاه فيلزم التصويب لكن هذا المحذور على فرض المزاحمة في التأثير وهذا الفرض غير صحيح . وتوضيح الحال يستدعي بسطا في المقال فنقول المصالح المقتضية للأحكام تتصور على خمسة وجوه : أحدها أن يكون المصلحة المقتضية للحكم الواقعي الذي حقيقته الإنشاء بداعي جعل الداعي متقيدة بعدم الجهل بمقتضاها أو بعدم قيام الأمارة على خلاف مقتضاها ففي صورة الجهل أو قيام الأمارة المخالفة لا مصلحة أصلا فلا حكم أصلا لا واقعا ولا بنحو ثبوت المقتضى بثبوت مقتضيه حيث لا مصلحة مقتضية في هذه الحال ، وهذا من أوضح أفراد التصويب الذي قد ادعى استحالته من حيث الدور أو الخلف إذ كما أن تقيد الحكم بالعلم بنفسه أو بعدم الجهل به محال لأحد الوجهين كذلك تقيد المصلحة بالعلم بنفسها أو بعدم الجهل بها أو تقيد المصلحة بالعلم بمقتضاها المنبعث عنها وقد ذكرنا في محله وجه استحالته وإن لم يلزم دور ولا خلف . ثانيها أن يكون المصلحة ثابتة حتى في صورة الجهل وقيام الأمارة المخالفة فمقتضاها أيضا ثابت بثبوت مقتضيه إلا أنها مزاحمة في التأثير بمصلحة أخرى تقتضي خلاف مقتضى الأولى فلا يحكم في الأول لعدم المقتضى ولا حكم هنا لوجود المانع ويفترقان في ثبوت الحكم بثبوت المقتضى هنا دون الأول ، وهذا الوجه لو صح للزم منه التصويب لكنه في نفسه غير صحيح إذ المزاحمة في التأثير مع فرض اجتماع المصلحتين لمكان التنافي بين الأثرين ولا تنافي هنا إذا الانشاءان بما هما قابلان للاجتماع وبلحاظ بلوغهما مرتبة الفعلية المحققة لتنافي الفعليين لا ينتهي الأمر إلى اجتماعهما في مرتبة الفعلية لأن فعلية الحكم الظاهري منوطة موضوعا بعدم وصول الواقع فلا حكم فعلي دائما إلا أحد الحكمين . نعم التنافي في هذه المرحلة يتصور في العنوانين العرضيين أو الطوليين الذين لم يمتنع اجتماعهما . ثالثها أن تكون مصلحة الحكم الواقعي ومصلحة الحكم الظاهري متضادتين ومتزاحمتين وجودا وحيث أن الحكم على طبق الأقوى والمفروض فعلية الحكم الظاهري فيكشف عن أقوائية مقتضيه وعدم الحكم الواقعي لاستحالة التسبيب إلى إيجاد المتضادين ابتداء أو بواسطة فيلزم منه التصويب عند التحقيق فان التسبيب إلى المتضادين في عرض واحد محال لكن لا يترقب إيجاد المصلحة للحكم الظاهري في عرض إيجاد المصلحة للحكم الواقعي بل في ظرف عدم بوصوله فلا ينتهي الأمر إلى التسبيب إلى إيجاد المتضادين حيث لا تسبيب حقيقة إلا بالفعلية البعثية . وأما سقوط الحكم الواقعي بعد امتثال الحكم الظاهري وحصول مصلحته فهو غير مناف لثبوت الحكم إلى حال حصول ملاك الحكم الظاهري فالإنشاء الواقعي بنحو القضية الحقيقة في الطرفين ليكون كل واحد منهما فعليا بوصوله وتمامية موضوعه لا محذور فيه . رابعها أن تكون مصلحة الحكم الواقعي مغايرة لمصلحة الحكم الظاهري فقط لا مضادة لها وجودا ولا مزاحمة لها أثرا ، فمن الواضح أنه لا يستلزم التصويب لكنه لا يستلزم الأجزاء بخلاف الوجه السابق فإنه يستلزم الأجزاء بمعنى عدم التكليف بالواقع بعد امتثال الحكم الظاهري لعدم إمكان استيفاء ملاكه لا بمعنى موافقته بحسب النتيجة بتحصيل ملاكه . خامسها أن تكون المصلحتان متسانختين وتقوم مصلحة الحكم الظاهري مقام مصلحة الحكم الواقعي ، فلا تصويب أصلا مع أنه يستلزم الأجزاء هذا كله بالنسبة إلى المصالح الواقعية والظاهرية من حيث الأجزاء والتصويب وأما بالنسبة إلى اجتماع المفسدة الواقعية والمصلحة الظاهرية كصلاة الجمعة المحرمة واقعا والواجبة ظاهرا فالكلام فيه مربوط بخصوص التصويب دون الأجزاء . وتحقيق الحال فيه أن المفسدة الواقعية في الجمعة ربما تكون مزاحمة وجودا بالمصلحة بعنوان آخر بحيث تندك المفسدة في جنب المصلحة فصلاة الجمعة التي قامت الإمارة على وجوبها ذات مصلحة فقط من دون مفسدة وإنما تكون ذات مفسدة لو خليت ونفسها كالكذب القبيح عقلا فإنه لو خلي وطبعه قبيح وبعنوان انجاء المؤمن حيث أنه عدل واحسان ممدوح عليه وحسن لا أنه قبيح محض فيه فلا محالة حيث لا مفسدة فيما قامت عليه الأمارة فلا حرمة فيه من الأول فهو تصويب حقيقة في مرحلة الواقع . فما عن الشيخ الأعظم - قدس سره - في مبحث الظن من رسائله من أنه لا تصويب هنا فان المراد من الحم الواقعي الذي يلزم بقائه هو الحكم المتعلق بالعباد الذي يحكي عنه الإمارة إلى آخر كلامه غير مفهوم المراد فإنه إن أريد أن الحكم فهو التزام بوجود المعلول بلا علة ، وإن أريد أن عنوان الموضوع المحكوم عليه ظاهرا متقيد بما يقتضي وجود حكم واقعي فهو التزام بثبوت الحكم عنوانا لا حقيقة وإلا لجري في غالب أقسام التصويب هذا إذا كانت المفسدة مندكة في المصلحة . وأما إذا كانت موجودة حقيقة ومزاحمة في التأثير بمصلحة الحكم الظاهري ففرض المزاحمة والعلية وسقوط المفسدة عن التأثير وإن كان يقتضى عدم بقاء الحكم الواقعي لا بحسب مقام الفعلية وبقية الكلام في مسألة التخطئة والتصويب من مباحث الاجتهاد والتقليد ومن الله تعالى التسديد ( منه ) .