الحروف وطبائع الأشياء :
كان عالمنا الفيلسوف جابر بن حيان على نفس الرأي الذي عبر عنه أقراطيلوس ، من أن اللغة مسايرة للطبائع ، فهو في ذلك يقول : « انظر إلى الحروف كيف وضعت على الطبائع ، إلى الطبائع كيف وضعت على الحروف ، وكيف تنتقل الطبائع إلى الحروف والحروف إلى الطبائع » ( 1 ) - والمعنى واضح ، فلكل حرف ما يقابله من طبائع الأشياء . ولا يقف جابر - بالطبع - عند هذه التعميمات التي لا تفيد كثيرا ، بل يوغل في التفصيل الذي سنورد بعضه ونهمل بعضه مضطرين لضيق المقام ، ونسبق ترتيب الكتاب لنقول في هذا الموضع أن موجودات الطبيعة هي أما حيوان وأما نبات وأما حجر ، وهذه مركبة كلها من العناصر الأولية الأربعة : النار والهواء والماء والأرض ، وكل عنصر من هذه العناصر يتالف من اتحاد اثنتين من الكيفيات الأربع : الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة ، فمن الحرارة واليبوسة معا تتكون النار ، ومن الحرارة والرطوبة معا يتكون الهواء ، ومن البرودة واليبوسة معا تتكون الأرض ، ومن البرودة والرطوبة معا يتكون الماء ، فإذا عرفنا أي الحروف دال على هذه الكيفية أو تلك ، عرفنا بالتالي الحروف الدالة على العناصر الأربعة ، وعرفنا أخيرا الحروف الدالة على مختلف الطبائع : ويقسم جابر الحروف الثمانية والعشرين إلى مجموعات أربع ، يجعل كل مجموعة منها مقابلة لإحدى الكيفيات الأربع على الوجه الآتي : الحرارة : أه ط م ف ش ذ . البرودة : ب وى ن ص ت ض . اليبوسة : ج ز ك س ق ث ظ . الرطوبة : د ح ل ع ر خ ع ( 2 ) . على أن هذا تقسيم كيفي للطبائع من جهة وللحروف التي تقابلها من جهة أخرى ، ولكنه لا بد إلى جانبه من معرفة كمية للمقادير التي تتفاوت بها هذه الكيفيات في تركيبها للأشياء ، وما يقابلها من دلالات كمية للحروف المختلفة ، فما كل حرف ككل حرف آخر في قوته ، ونترك التفصيل في هذه النقطة الآن لنعود إليها عند الحديث على نظريات ابن حيان في علم الكيمياء . وقد أسمى جابر كتابه الذي أخذ يوازي فيه بين الحروف والطبائع « كتاب التصريف » تشبها بما يسميه النحويون تصريفا ، إذ لا فرق في حقيقة الأمر بين تصريف الكلمات وتصريف طبائع الأشياء ، حسب النظرية التي نحن الآن بصدد بسطها ، فلو شاء العالم أن يحول شيئا ما ليصيره شيئا آخر فليدرس الأسماء وتصاريفها أولا ، لينتج له من هذه الدراسة كيف يكون طريق السير في تحويل الأشياء بعضها إلى بعض ، يقول جابر أنه لما كان « الكلام كله على الحروف ، ولا كلام إلا بتأليف الحروف ، لم يكن بد من أن يقع في الطبائع مثل ذلك ، فحقيق أن يكون تصريف الطبائع كتصريف الحروف » ( 3 ) . قلنا إن الأصل الذي تكونت منه الموجودات كافة هو الكيفيات الأربع : الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، لكن هذه الكيفيات محال أن تقوم الواحدة منها على حدة بمعزل عما عداها ، ولذلك كان لا بد من اتحادها اثنتين اثنتين على الأقل ، فالحرارة لا تكون وحدها أبدا ، بل لا بد أن تمتزج بها أما اليبوسة وبهذا تتكون النار ، وأما الرطوبة وبهذا يتكون الهواء ، وكذلك البرودة لا تكون وحدها أبدا ، بل لا بد أن تمتزج بها أما اليبوسة وبهذا تتكون الأرض ، وأما الرطوبة وبهذا يتكون الماء - فما الذي يقابل هذا في اللغة ؟ يقابله أن الحرف الواحد المعزول عما عداه محال على النطق ( 4 ) ويكون في حكم المعدوم من الناحية اللغوية ، « فنحن لا نقدر أن نتكلم بحرف واحد حتى نضيفه إلى حرف آخر ، كذلك لا يمكننا وزن طبع واحد إلا بإضافته إلى طبع آخر ليتبين » ( 5 ) « فكما أن الشيء الواحد لا يكون على أقل من عنصرين ( من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ) أو ثلاثة ، ولا يكون على واحد . . . ( فكذلك ) قولنا كلمة ما مثل محمد وجعفر وغير ذلك من الأسماء ، لا يكون إلا بتراكيب الحروف ، وقد تكون كلمة من حرفين وثلاثة وأكثر من ذلك وأقل ، إلا أن كلمة لا تكون من حرف واحد . . . لأنه لا تكون كلمة أقل من حرفين : حرف النطق وحرف الاستراحة ، فقد وجب أن يكون تركيب