الفواحش ، ويصد عن القبائح ، ويعظ من نزل به ، فيقلل إلى الهوى طماحه ، وفي الغي جماحه ، وأن العمر فيه أطول ، والمحصل معه أفسح . وأن لونه أنصع الألوان وأشرفها « . وقال في ذمه : « إنه رائد الموت ونذيره ، وأنه يوهن القوى ، ويضعف المنة ، ويطمع في صاحبه ، وأن النساء يصددن عنه ، ويعبن به ، وينفرن عن جهته » . ( 1 ) وأنت ترى أن ما صوره من مدح الشيب وذمه لا يخرج عن مقام رجل الدين ، بل هو من معاني الوعظ والإرشاد الديني ، الذي يحسن بمثله أن يوليها العناية والترديد بين الناس . لهذا نحسب أن إكثاره في وصف الشيب كان بهذا الباعث المشبع لميوله ونزعته الدينية . وستجد في القصيدة التي نعرضها عليك كل ما قدرناه من طرقه للموضوع غاية في نفسه ، ومن استيفائه لجملة معانيه ، ومن تناوله تناولا لا يبعد به عن مقام رجل الدين .
( 2 ) وخلاصته ما اسم به شعره الوصفي أن فيه استقاء لمعاني الموضوع الذي يطرقه ، بسبب وقوفه على ما أثر من معانيه عن الأقدمين ، وبطبيعة مزاجه العلمي الباعث على الاستقصاء والاستيفاء ، وأنه تعوزه طبيعة التحرر والتحضر الذي ألفناه في شعراء عصره ، مما قصر وصفه على مواضيع معينة ، ربما لا تكون من روح العصر العباسي ، أمثال وصفه الحية والذئب والقدور الراسيات .
ج - شعره السياسي
كان آل « أبي أحمد النقيب » ساسة محترفين ، بكل ما في الكلمة من معنى ، يكيدون ويكادون ، وينفعون ويضارون ، ويمشون إلى ماربهم السياسية في سر وفي علن ، بحسب ما تقتضيه الظروف والحالات . ولم يكونوا مجرد ساسة قول ، كأكثر من عرفنا من شعراء العربية ، الدين يقفون من الأحداث السياسية موقف المتفرج ، حتى إذا عن نصر ملك ، أو فتح لقائد ، طاروا إليه مع البغاة الطامعة بالأشلاء نهشا وتمزيقا ، وسعوا إلى الفاتح المنتصر مهنئين مباركين ، ليخلع عليهم من الغنائم والأسلاب . لم تكن أسرة « أبي أحمد النقيب » من أولئك ، بل كان الأب يعمل في دعم « آل بويه » بوفاداته وسفاراته وبخطبة في المواسم ، فيتنقل من العراق إلى الشام ، ( 3 ) ومن العراق إلى فارس أو إلى الحجاز ، يكره هذا على الطاعة ، ويستدرج ذاك إلى الولاء ، ويلقى في سبيل ذلك ما يلقى الساسة المحترفون ، من إخفاق مرة ، ونجاح أخرى . وكان ابناه « المرتضى » و « الرضي » يتتبعان حركات أبيهما فيسندانها من « بغداد » ، بالعمل في الخطوط الخلفية ، ينظمان القصائد في ماثره ، ويحمدان له جميل السعي ، وينوهان بما له من أياد بيضاء على الدولة الحاكمة ، والخلافة القائمة . ألمع إلى هذا بايجاز لأشير إلى أن شعر « المرتضى » السياسي لم يكن من طراز شعر « المتنبي » ، أو « البحتري » ، أو « أبي تمام » ، أو غيرهم من شعراء « اليتيمية » ، أولئك الذين يأتون الأحداث من أدبارها ، لم يسبقوها برأي ولا عمل ، ولم يشركوا فيها بنصيب ، فشعرهم السياسي - فيما يبدو لي - أدخل في باب وصف الحوادث ، وتسجيل وقائعها منه إلى الشعر السياسي بمعناه الدقيق المحدود . لقد شهدت « الرضي » و « المرتضى » يقاطعان « عضد الدولة » - وهو سيد ملوك آل بويه - جرأة وانتقاما ، لأن « عضد الدولة » اختلف مع أبيهما ونفاه وسجنه ، فكانا هما من بغداد يبعثان إلى أبيهما في سجنه بقصائد نارية متحمسة ، وما كان يمنعهما الخوف منه في أن يصطحبا ، أو يتصلا بمن ينقم منه أمثال « أبي إسحاق الصابي » . ( 4 ) ورأيت « المرتضى » يناصر الملك « بهاء الدولة » ويشيد بمواقفه ، لأن أباه ( أبا المرتضى ) كان في طلائع من مهد ل « بهاء الدولة » بالسلطان ،