السيد سعيد الدين بن رفيع الدين غريب
الشاه سلطان حسين الصفوي .
الشاه سلطان حسين الصفوي أكبر أبناء الشاه سليمان الصفوي ، وواحد من أتفه وأبله الشاهات الذين حكموا إيران . أهم حادثة وقعت في أيام حكمه ثورة قبيلة « غلجائي » الأفغانية في « قندهار » على الحكومة المركزية . بل إن هذه الحادثة تعد من أهم الوقائع في تاريخ إيران كله . وقد انتهت بخلعه ثم قتله وقتل أبنائه ، وأدت بإيران إلى الخراب . وخلاصتها أن الأمراء الصفويين اختاروا في سنة ( 1105 ه ) لعرش إيران سلطان حسين هذا ، خلافا لوصية أبيه الشاه سليمان . وفي سنة ( 1106 ه ) أرسل « جرجين خان » الكرجي الملقب ب « شاه نواز خان » إلى « قندهار » حاكما عليها . والعادة ، بصورة عامة ، في الشرق ، ولا سيما إيران يوم ذاك ، أن لا يحسب في تولية الناس الأعمال حساب لكفاءاتهم وصلاحهم للعمل ، ولا يلاحظ ما يمكن أن يترتب على خصائصهم وصفاتهم من نتائج وعواقب . ومن نماذج ذلك إرسال « جرجين خان » هذا حاكما على « قندهار » . فقد كان نصرانيا ، وأهل هذه المدينة مسلمون من أشد المسلمين تعصبا . وكان إلى ذلك ، كأكثر موظفي الدولة ، ظالما طماعا متعديا . ومرت خمس سنوات على حكمه في « قندهار » لم تغير شيئا من صفاته وأخلاقه ، حتى هجر أهالي « قندهار » فأرسلوا في سنة ( 1111 ه ) « مير ويس » الهوتكي ( 1 ) أحد زعماء قبيلة « غلجائي » ، وكان امرأ محنكا شديد الذكاء ، مندوبا عنهم إلى الشاه سلطان حسين الصفوي يرفع إليه ظلامتهم ويطلب إنصافهم . وذهب المندوب إلى أصفهان العاصمة ، ولكنه لم يستطع أن يوصل الظلامة إلى الشاه المهمل السخيف . وكانت الأمور في إيران مختلة اختلالا شديدا لوجود هذا الشاه وفساد أبنائه وأمراء بلاده الساعين وراء منافعهم الخاصة المختلفين المتنابذين ولنفوذ بعض الروحانيين المتهالكين على طلب الدنيا ومقاماتها الرفيعة . فأيس « مير ويس » من الوصول إلى غايته وغادر أصفهان إلى مكة ، فادى فريضة الحج ثم عاد إلى أصفهان وعاود في سنة ( 1112 ه ) التظلم إلى البلاط ، فلم يهتم به أحد من أولياء الأمور . وإذ رأى أن أوضاع المملكة وشئون البلاط الملكي لا تنفك تزداد سوءا على سوء عاد إلى « قندهار » خائبا غاضبا ، وروى لأبناء طائفته « هوتك » وسائر رؤساء قبيلة « غلجائي » ما رأى من أوضاع إيران وفسادها ، وتواطئوا على التمرد على حاكم « قندهار » وعلى الحكومة المركزية . وأطلع جماعته ، في أثناء ذلك ، على فتاوى حصل عليها من علماء أهل السنة في مكة بكفر الشيعة ، يحرضهم بذلك ويشجعهم على الثورة . وما زال بهم حتى أقدموا على قتل « جرجين خان » . ثم جمع حوله أبناء طائفته وأبناء سائر الطوائف الغلجائية وأعلنوا العصيان والتمرد على الدولة . أما بلاط الشاه سلطان حسين فظل ، كدأبه ، غافلا وتلقى عمل « مير ويس » بالإهمال واللامبالاة . وهذا لا ينفك يتقوى شيئا فشيئا حتى استخلص « قندهار » من يد الموظفين الإيرانيين وسيطر عليها ، وأوقع بجميع العساكر الإيرانيين الذين كانوا في « قندهار » وأطرافها مذبحة عامة . وحينئذ - وقد بلغ « مير ويس » شاوا بعيدا من الاقتدار - تنبهت الحكومة المركزية بعض الشيء من غفلتها وأرادت أن تدفع شره عنها . فأرسلت إليه رسولين ، واحدا بعد الآخر ، بقصد إرضائه وإقناعه بالدخول في طاعتها . فاهملها « مير ويس » لا يعتني بهما وسجنهما كليهما . فلما أيست الحكومة المركزية منه أمرت حكام خراسان بتسيير جبش إلى « قندهار » لمحاربته وإخضاعه . فساروا إليه ولكنهم عجزوا عن أن يصنعوا شيئا إذ أنه هزمهم هزيمة شاملة وأوقع بهم خسائر جسيمة ، فعادوا عن « قندهار » إلى مواقعهم . فأرسلت الحكومة المركزية إلى محاربته « خسرو خان » أو « كيخسرو خان » والي كرجستان وابن أخي « جرجين خان » ، وأطلقت يده بان يصنع ما يشاء من أجل إخضاع « مير ويس » . فسار إليه وأجاد الحرب حتى تفوق على « مير ويس » واضطره إلى طلب الصلح وقبول التسليم ووضع « قندهار » في تصرفه . وكان ذلك في سنة ( 1114 ه ) . فرفض « خسرو خان » ، وكان ، على شجاعته ، غير خبير بالسياسة ، وأصر على أن يكون تسليم « مير ويس » بلا قيد ولا شرط . فلما رأى المحصورون أنفسهم في هذه الضيفة استماتوا في الدفاع وثبتوا في وجه « خسرو خان » ثباتا عظيما ، واستطاعوا أن يقطعوا على عسكره طريق التموين ، حتى هزموه هزيمة شنعاء ، بلغ من شدتها أنه لم يعد إلى إيران من