بعد الوزارة الثانية
وارتاى فريق من النواب المخلصين أن يصلحوا ما بين البلاط ورئيس الوزارة « رضا خان » بشرط أن يتعهد هذا بالإطاعة وتجنب ما يسيء إلى البلاط . ووافقت أكثرية النواب على هذا الاقتراح ، وقررت إرسال « الدكتور مصدق » إلى ولي العهد « محمد حسن ميرزا » ليعرض عليه الاقتراح . وبعد المذاكرة قبل ولي العهد بالمصالحة . وفي الليلة التالية ذهب « الدكتور مصدق » و « رضا خان » إلى البلاط واجتمعا بولي العهد . ثم تركهما « مصدق » وخرج من القصر . ولم يعرف ما دار بينهما من حديث في تلك الليلة . وظل « رضا خان » محافظا على رابطته بالقصر بصورة حسنة . ثم تقرر أن يعود الشاه إلى إيران وبدأ بمعاملة السفر ، ثم توقف . وقيل إن رسولا أرسل إليه وأبلغه أن عودته مشروطة بشروط عليه أن يقبلها . وأن الشاه أجاب بان تنازله عن العرش خير له من قبول هذه الشروط . ثم لم يعد بعدها قط إلى إيران . وكانت تركيا مطمئنة إلى حكم القاجاريين في إيران راغبة في استمراره . إذ كان عهدهم عهد صفاء وسلام بين الدولتين . وفيه توقفت الحروب التي كانت لا تنفك ناشبة بينهما في عهود من سبقهم من الأسر المالكة . وكانت تحسن الظن بسياسة « أحمد شاه » . فلما وقعت حوادث الثاني فروردين سنة 1303 ه . ش . وأصبح الشاه في وضع حرج وبرزت صعوبات تمنع عودته إلى إيران رأت الحكومة التركية أن من مصلحتها أن تساعده بتسهيل طريق عودته . فأرسل « مصطفى كمال » وزير خارجيته « رشدي آراس » إلى باريس ليعرض على « أحمد شاه » مساعدة تركيا له بتجنيد حوالي ثلاثين ألفا من أكراد تركيا يرافقونه من كردستان تركيا إلى كردستان إيران ومنها إلى طهران بعنوان حرس مشيع من قبل الحكومة التركية . فشكره « أحمد شاه » ثم قال له : ليس في استطاعتي قبول هذا العرض إذ ليس من عادة القاجاريين أن يحصلوا على التاج والعرش ويحتفظوا بهما بيد غير يدهم . وفي يوم 16 فروردين سنة 1303 ه . ش . توفي في باريس « محمد علي شاه » ملك إيران السابق المخلوع أبو « أحمد شاه » . وأبلغ نبا وفاته إلى إيران ، ما قامت الحكومة مجلس فاتحة رسميا له في مسجد الشاه يومي 20 و 21 فروردين سنة 1303 ه . ش . وكان حضور الناس هذه الفاتحة يدل على أن الآثار السيئة التي تركها في نفوسهم تصرف « رضا خان » يوم الثاني من فروردين [ ] 1303 عند المجلس النيابي ما زالت تملؤهم حقدا . ومن ثم كانت هذه الفاتحة مظاهرة ولاء ضخمة للشاه وتحد ل « رضا خان » . أقبل الناس جموعا غفيرة من كل الطبقات يشاركون فيها حتى اكتظ بهم المسجد وساحته - وهو من أكبر مساجد طهران - وامتلأت الأزقة والأسواق المتصلة به بالوافدين . وكان مظهر التحدي ل « رضا خان » واضحا في الجمهور . فحين حضوره إلى الفاتحة لا يكترث به أحد . بل كانوا لا يفسحون الطريق للدخول إلى المسجد فيضطر إلى سلوك الطريق محشورا بينهم ، أو يصيح بهم غاضبا يطلب إفساح الطريق له . وكان خطيب الفاتحة أحد مشاهير الوعاظ في طهران معروفا بالجرأة وجهارة الصوت . وكان يضمن خطبته تعريضات ب « رضا خان » وتأييدا للشاه . وبعد انقضاء مجلسي الفاتحة اقترح النواب المعارضون ل « رضا خان » على المجلس النيابي إرسال برقية تعزية إلى « أحمد شاه » باسم المجلس . ولكن النواب المؤيدين ل « رضا خان » المعارضين للشاه انقصوا عدد النواب الحاضرين إلى ما دون النصاب فتعطل الاقتراح . وفي أواخر سنة 1303 ه . ش . استطاع « رضا خان » أن ينتزع من الشاه منصب القيادة العليا للقوات المسلحة . وهو منصب يختص به ، في العادة ، رئيس الدولة الذي هو الشاه . واستمرت الصحف المؤيدة ل « رضا خان » في تنديدها بالقاجاريين وأنصارهم ، وأطلقت لها حرية القول بما تشاء . واشتدت المراقبة والتضييق على الصحف المعارضة . بل أن نشرات الأخبار اللاسلكية السوفياتية دأبت على التنديد بمعارضي « رضا خان » وصحافتهم ووصفهم بالرجعيين ( 1 ) إذ كان رجال الدين والتجار معادين له موالين للشاه . واشتد التضييق على الصحف المعارضة حتى اضطر أصحابها إلى التحصن في المجلس النيابي . ويومئذ أذاعت نشرة الأخبار اللاسلكية السوفياتية هذا الخبر في 8 تموز سنة 1924 م الموافق 17 تير سنة 1303 ه . ش . بعنوان » اضطرابات دينية في إيران « هكذا :