المالية في تك الوزارة هو علي جودت الأيوبي . وعلى الرغم من أن علي جودت كان صديقا شخصيا قديما لنوري السعيد ، ورفيق سلاح له في الثورة العربية ، فإنه ما لبث أن استقال من منصبه احتجاجا على توقيع رئيس الوزراء على الاتفاقية المالية مع الحكومة البريطانية في لندن ، فتولى وزارة المالية بالوكالة وزير العدلية جمال بابان ، ثم جميل المدفعي . وكان الملك فيصل الأول قد بدأ يشعر أن رستم قضى في رئاسة الديوان الملكي مدة طويلة جدا . فاقترح أن تعهد إليه وزارة المالية ، وذلك تدعيما للوزارة بعنصر قوي تتوافر فيه الناحية العلمية والكفاية الشخصية . ويكون بنفس الوقت موضع ثقته التامة . ومن جهة أخرى ، كان الملك فيصل يرى أن نوري السعيد قد أصبح أقوى مما ينبغي ، وأنه إذا أطلق له العنان قد يتحكم في الأمور وميل إلى الطغيان ، فادخل رستم حيدر في الوزارة ، وهو يده اليمنى وعينه الساهرة ، ليحد بشخصيته القوية ، وكفاءته العالية ، من طغيان نوري . وهكذا أصبح رستم وزيرا للمرة الأولى في أول تشرين الأول ( أكتوبر ) 1930 ، في وزارة نوري السعيد الأولى ، وكانت وزارة المالية التي تولاها شاعرة منذ استقالة علي جودت في 30 حزيران ( يونية ) من السنة نفسها ، وتدار بالوكالة . وخلال السنوات العشر التالية ، وحتى مقتله في كانون الأول ( ديسمبر ) سنة 1940 ، اشترك رستم حيدر وزيرا في سبع وزارات . وكان في أربع منها وزيرا للمالية ، وفي ثلاث وزيرا للاقتصاد والمواصلات . أربع منها في وزارات ترأسها نوري السعيد ، واثنتين ترأسهما رشيد عالي الكيلاني ، وواحدة برئاسة جميل المدفعي . ( 1 ) وعلى الرغم من عدد المرات التي تسلم فيها رستم حيدر منصب الوزارة في العراق ، فان المدة التي قضاها وزيرا لم تزد في مجموعها عن أربع سنوات تقريبا ، وذلك بسبب قصر أعمار الوزارات في العهد الملكي . كان رستم حيدر يضطلع بأعباء الوزارة في كل مرة بجدارة وتوافر عظيمين ، ولم يكن هنا لك ما يؤخذ على كفاءته ، ولا شائبة تشوب نزاهته . ومع ذلك فإنه تعرض لكثير من الهجمات من جانب خصومه أو خصوم الوزارات التي اشترك فيها ، ولم يسلم من التحامل والطعن في إخلاصه ، وذلك أمر لم يسلم منه سياسي تسنم مناصب رفيعة ، وخاصة في الشرق . ففي المرة الأولى التي أصبح فيها رستم وزيرا للمالية . وهي وزارة نوري السعيد الأولى ، كانت المعارضة تلتمس أية وسيلة للهجوم على تلك الوزارة التي أبرمت معاهدة سنة 1930 مع بريطانيا ، وكان اشتراك رستم حيدر فيها فرصة ذهبية في يدها لشن حملات جديدة عليها في شخص الوزير الجديد . وإن كان قد دخلها بعد التوقيع على المعاهدة ، واستقالة وزير المالية علي جودت . وكانت ذريعتها في هجماتها كونه سوري الأصل . وفي اليوم التالي لاستيزار رستم حيدر كتبت جريدة ( صدى الاستقلال ) لسان حال الحزب الوطني ( وهي جريدة شهرت نفسها بنزعتها القومية العربية ! ) كلمة اعترضت فيها على تعيين رستم حيدر لأنه « حديث عهد بالجنسية العراقية » - في حين أنه لم يكن أحدث عهدا بها من الملك فيصل نفسه - وقالت الجريدة : « ونحن مع احترامنا لرستم بك لم نكن من المرحبين بوزارته ، لأنه لم يختلط بجميع طبقات الشعب العراقي ، ولأنه حديث عهد بالجنسية العراقية . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإننا نرغب في أن نكون مع إخواننا السوريين على وئام ، وأن وجود سوري مثل سعادته في منصب عراقي ذي مسؤولية مما يجر العراقيين إلى أن ينقدوه ، وربما يتعداه الانتقاد إلى كل سوري ، لأننا لا نعتقد بان أحرار سوريا يقبلون بمعاهدة مثل المعاهدة الجديدة التي سيظهر سعادته عما قريب مدافعا عنها في مجلس جامعة آل البيت . ( 2 ) وطبيعي أن يكون ظهوره هذا عاملا للاستياء والاشتباه في نوايا إخواننا السوريين « . ( 3 )
كلمة حق أريد بها باطل !
ولما دافع بعض الصحف الحكومية عن استيزار رستم حيدر ، ونشرت مقالات في الرد على كلمة « صدى الاستقلال » ، ونشرت هذه الجريدة مقالة شديدة بقلم المحامي ( علي محمود الشيخ علي ) مدير تحرير الجريدة ، بعنوان « تملق لا أثر للكرامة فيه » ( 4 ) توسع بها فيما سبق أن كتبته الجريدة عن استيزار رستم حيدر قائلا : « لم ترحب هذه الجريدة بتوزير رستم بك حيدر رئيس الديوان الملكي لأنها رأت في توزيره ضررا بليغا في الوحدة العربية التي ينشدها أبناء القطرين الشقيقين العراق وسوريا ، ذلك لأنه تقلد منصبا يعرض صاحبه للنقد السياسي ، ولربما يفسر النقد الذي سيوجه ضده أي غير قصده الحقيقي في سوريا ، فيكون هذا التفسير معولا لهدم فكرة الوحدة العربية التي بدأت ثمارها تينع في البلدين » .