وأسلمتم بحد سيوف قومي
على جدع المعاطس صاغرينا
وكنتم حين أرمس في ثراه
له في « الأهل » بئس الخالفينا ؟
غدرتم بابنه فقتلتموه ،
وفتيانا من « المتهشمينا »
وأعليتم بجثته سنانا
إلى الآفاق ما إن ترعوونا
وكنتم لابنه كي تنظروه
أأنبت تقتلوه كاشفينا ؟
وأشخصتم كرائمه اعتداء
على الأقتاب غير مساترينا
وها أنتم إلى ذا اليوم عما
يسوء المصطفى ما تقلعونا
فطورا تطبخون « بنية » طبخا
بزيت ، ثم طورا تسمرونا
فهم في النجل للأخيار دأبا
وأنتم غير شك تحصدونا
كان الله صيرهم هدايا
لمنسككم وأنتم تنسكونا !
وقد أراد بهذه الأبيات وأمثالها أن يستثني الرسول ( ص ) وأهل بيته الكرام مما سيقوله ، أو قد قاله في « قريش » وهو يفاخر بقومه ، ويفضلهم عليهم ، وأن يستل المصطفى وآله من بينهم ، كما أنه في الشرح قد فصل ما قاساه « الطالبيون » على يد القرشيين من « أمويين » و « عباسيين » حتى يومه الذي ألف فيه الدامغة في مطلع القرن الرابع الهجري وبأسلوب لا يقوله إلا « الشيعة » المخلصون وليس ذلك فحسب ، بل أنه يعود فيجعل من مؤازرة « اليمنيين » لأمير المؤمنين علي ( ع ) شعار فخر ، ويستعمل عبارات « الشيعة » التي يطلقونها على من خرج على علي أيام « الجمل » و « صفين » و « النهروان » فيقول :
ووازرنا « أبا حسن » عليا
على « المراق » بعد « الناكثينا »
وسار إلى « العراق » بنا فسرنا
كمثل السيل نحطم ما لقينا
علينا اللام ، ليس يبين منا
بها غير العيون لناظرينا !
فارخصنا الجماجم يوم ذاكم
وما كنا لهن مثمنينا !
وأجحفنا « بضبة » يوم صلنا
فصاروا من أقل « الخندفينا »
وطايرنا الأكف على خطام
فما شبهتها إلا القلينا !
وينتقل من واقعة « الجمل » إلى معارك « صفين » فيقول :
وعبانا الخيول إلى « ابن هند »
نطالب نفسه ، أو أن يدينا
وظلنا نفتل الزندين حتى
أطارا ضرمة للمضرمينا . . .
ونادينا « معاوية » اقتربنا
بجمعك إننا لك موفدونا ،
وأمت دونه جمرات قومي
ومن دون « الوصي » محافظينا
ويوم « النهروان » فأي يوم
فللنا فيه ناب « المارقينا »
وقومنا « أمية » فاستقامت
وكانوا قبلها متاودينا . . . !
وقلنا « الهاشمون » أحق منكم
ونحن لهم عليكم ما يلونا
فقام بنصرهم منا « جديع »
وكان لحزبهم حصنا حصينا
إلى آخر ما قال مما يبرز شخصية الهمداني في إطارها الصحيح ويثبت أنه كما قلنا في « الجناية » رغم اعتزازه باليمن وقوميته « القحطانية » كان من الذين يعتزون بمحبة علي وبنيه ، وإنه قد سلك في مناقضته لنونية « الكميت ، العدناني الشيعي » مسلك « دعبل » « القحطاني » الشيعي ، والسيد « الحميري » القحطاني « الشيعي ، من قبل » الهمداني « ومسلك من جاء بعده من شعراء قحطان أمثال » الأسلمي « و » ابن العليف « و » الهبل « والمئات غيرهم . وهذا الإطار لشخصية » الهمداني « سينصفه وينفض عن اسمه غبار الدعاوي التي ظل يراكمها عليه من لم يعرفوا تاريخ ذلك العلامة النحرير والأديب الفذ ، ولا تعمقوا في دراسة أشعاره وأخباره ، ولا فهموا طبيعة عصره وبيئته سواء ممن نقده قادحا ، أو بالغ وأغرق في تمجيده مادحا .
أو انفعل بتحريفات محمد بن نشوان .
جواره لابن الضحاك في ريدة
قلنا أن الوشايات قد أفسدت بين « الهمداني » و « الناصر » وإن ذلك ومع ضيقه بمنافسة الحاسدين من العلماء والفقهاء والأدباء بصعدة ، إلى تخوفه مما عسى أن يحدث بعد وفاة الناصر ، قد دفعه إلى النزوح إلى « صنعاء » ومجاورة « الحواليين » ، وأنه قد كان كالمستجير من الرمضاء بالنار للأسباب التي ذكرناها ولأخرى لم نطلع عليها بعد ، ولقد مات الناصر بعد ذلك واختلف أولاده على السلطة ، وعادت الفتن كما كانت هائجة مائجة بين قبائل « صعدة » ، وبدأ ملك بني زياد يتلاشى في زبيد ويمتلك الأمر جواريهم ومواليهم من « الأحباش » وكان قد صنع أسعد بن أبي يعفر وذووه بالهمداني ما وصفه نفسه في « سرائر الحكمة » وهنا لم يجد ظلا وارفا يلجا إليه غير ابن الضحاك أحمد بن محمد الذي كانت « ريدة » مركز سلطنته القبلية ، وقد انتزع « صنعاء » من أيدي الحواليين ، وهو [ هو ] الذي لجا إليه العالم الزيدي الكبير أحمد بن موسى الطبري بعد وفاة « الناصر » ، وقال عنه : إنه بين سلاطين وزعماء عصره كان كالأسد بين الذئاب والثعالب والنعاج ، ولعل الكثير من نبغاء وأفذاذ ذلك العهد والذين لم يستسيغوا تصلب « ورثة النظرية الهدوية » واختلافاتهم وصراعاتهم وظنونهم بان الأمر تركة يتقسمونها بمجرد النسب ، ولا اطمأنوا إلى موالي « بني زياد » ، ولا إلى مكر « الحواليين » وتفاهة وارتزاق المشايخ الآخرين قد لجئوا أيضا إلى ظل « ابن الضحاك » مع « الطبري » و « الهمداني » وربما شيخه « أبي نصر الحنبصي » . والطبريون منهم عادوا إلى طبرستان ولقد خلد لسان اليمن إلى التأليف والكتابة في « ريدة » حيث ألف « الإكليل » و « صفة جزيرة العرب » والكثير من الأشعار حتى توفي بها سنة ( 334 ه ) ( 946 م ) وقيل بل عاش إلى ما بعد سنة ( 344 ه ) ( 956 م ) وانظر مقدمة حمد الجاسر لكتاب « صفة جزيرة العرب » والذي اطمئن إليه أنه توفي حوالي « ( 340 ه ) .
إبراز صورته الحقيقية
وعلى كل فقد اضطربت الأقوال والتخمينات في تحديد سنة وفاته وسواء كانت عام ( 334 ه ) أو بعد عام ( 340 ه ) أو في وقت بين بين ، فذلك ليس من أهدافنا تحقيقه الآن لأننا لن نستطيع أن نقطع برأي جازم بل نرجح أنه والسلطان أحمد قد توفيا عام ( 340 ه ) قبل أن يضعف سلطان آل الضحاك وهدفنا الآن هو إبراز صورة « الهمداني » في إطارها الحقيقي ، وأن ننفض عنها غبار القادحين والمادحين المغالين ، وتشنجات دعاوي المتعصبين ، من كل الفئات . عرفنا أنه قد ولد بصنعاء ولكنه هاجر شابا إلى « صعدة » وعاش في كنف « الإمام الهادي » ، ثم كان من أصحاب « المرتضى » و « الناصر » حتى هاجر إلى « مكة » لطلب العلم وحين عاد بعد بضع سنوات لم يقصد « صنعاء » ولا « زبيد » بل فضل البقاء في « صعدة » مقام الناصر وأن العيش قد طاب له وراق حين ذاك « وعمر دارا وامتلك عقارا » ونظم قصيدته التي رد بها على نونية الكميت وسماها « الدامغة » ،