لم تشر النصوص إلى صفاء الجويين القائدين ، ولذلك لم يطلب جعفر نجدات من جوهر ، كما لم يخف الأخير ، لمساعدته عندما لاحت الأخطار . وكانت هزيمة جوهر بعد ذلك في ميدان الشام بسبب تخاذل كتامة بمثابة الثار الذي استوفاه رجال هذه القبيلة منه لموقفه المعادي لأكبر قادتهم في بلاد الشام ، وكان أبعاده تدريجيا عن مركز النفوذ بعد سنة 364 ه ( 974 - 985 م ) تدبيرا سياسيا خاصا قصد به ترضية أسرة ابن فلاح ، التي استاءت من موت رئيسها في ظروف محزنة ، كما كان بداية لسياسة جديدة بمقتضاها ، بدأ اصطناع وجوه جديدة عوضا عن القادة القدامى الذين استنفدوا طاقتهم وأدوارهم ، وهذه السياسة أدركها جوهر وعبر عنها في قوله للحسن بن عمار الكلبي ، « لكل زمان دولة ورجال ، أنريد نحن أن نأخذ دولتنا ودولة غيرنا » . ( 1 ) وكان ابن فلاح أحد الجعفريين ( 2 ) اللذين مدحهما ابن هانئ شاعر المعز لدين الله في قوله :
وبما أن ابن هانئ قد قتل غيلة في برقة ، أي لم يقدر له اللقاء بابن فلاح في مصر ، فضلا عن بلاد الشام ، فان المؤكد على كل حال أن يكون مدحه له في فترة مبكرة ، دليلا على ظهوره في الميدان السياسي والعسكري كشخصية قوية في عصر المعز لدين الله وذلك قبل أن يشترك في الحرب في ميدان مصر والشام ، وكان اللقاء بين الشاعر والقائد قد تم في أرض المغرب تأكيدا حسب إشارة الشاعر نفسه . ( 3 ) وما أشار إليه ابن هانئ عن قيمة جعفر بن فلاح ، أكدته بعض النصوص التي أوضحت بان ابن فلاح لم يكن فقط قائدا عسكريا ماهرا وإنما كان أيضا شاعرا قديرا له عواطف رقيقة خاصة تجاه أهل البيت حتى أن عدوه القرمطي بكاه بعد قتله ، تأثرا واعترافا بقيمته . ( 4 ) ولعل هذه الاعتبارات جميعها تؤيد ما نعتقده من ظهور جعفر بن فلاح في ميدان المغرب قائدا كبيرا لا تقل أهميته عن زيري بن مناد ، ولا عن جوهر الصقلي ، الذي حظي بالقيادة العليا في المغرب وفي مصر ، عن غير اقتناع من القائد الكتامي الذي حاول من مركزه في بلاد الشام أن يبرهن للخليفة المعز لدين الله على أنه أهم من غيره إخلاصا للنظام ونجاعة عند الأخطار . وقد لا يبعد عن الصواب القول بان الخلفاء الفاطميين بعد الذي جرى لهم مع كتامة أصبحوا يحتاطون من طموح قادتهم ويجاهدون من أجل إبعادهم عن مراكز التوجيه العليا ، خوفا على سلطانهم أن يتأثر لأن كتامة يدلون على الخلفاء بسبب دورهم التاريخي في نصرة الحركة الفاطمية وكونهم أقدم عهدا بها إذا قيسوا بطبقة الفتيان الصقالبة الذين كانوا غرباء عن البيئة ومفتقرين إلى التاريخية وإلى العصبية ومن ثم كانت لا تطمح نفوسهم إلى شيء مما تطمح إليه نفوس الكتاميين ، وكانوا يرضون دائما بدور التابع الذليل ، ولذلك استصفاهم الخلفاء واعتمدوا عليهم اعتمادا كليا حتى بلغ منهم قيصر ومظفر مكانة كبرى في عصر المنصور والمعز ، ومثلهما جوذر الذي كان مستودعا لثلاثة خلفاء وناب عن المنصور في تسيير سياسة الدولة وكان عمدة المعز في التعرف على سير الحياة السياسية والإدارية ، ولو امتد به العمر لكان له شان كبير في مصر وقد هم المعز لدين الله باستخلافه على بلاد المغرب بعد رحيله لولا امتناعه ، ورغبته في البقاء إلى جانبه في مصر كما أشرنا . وظواهر التجديد في القيادة واصطناع الوجوه الجديدة والتركيز على من لم تكن لهم عصبية سارت مع الخلافة الفاطمية منذ قيامها في بلاد المغرب حتى سقوطها في نهاية الأمر . ( 5 ) ويرتبط بشخصية جعفر بن فلاح ، تحقيق اسمه الكامل ، فقد جاء في أغلب المصادر التي أشارت إليه مختصرا ، أي على النحو التالي « جعفر بن فلاح الكتامي » . ( 6 ) ويضيف بعضها إليه كنية أبي علي ، لأن أحد أبنائه يعرف بهذا الاسم . ( 7 ) بينما تذكر بعض النصوص كنية أخرى لهذا القائد فهو أبو الفضل ، ( 8 ) وهو فيما يبدو اسم أحد أبنائه الذي توفي في مصر وحضر جنازته كبار رجال الدولة بما فيهم القائد جوهر ، ( 9 ) لأنه لم يظهر له دور ما في مصر أو بلاد الشام على عكس إخوته علي ، وإبراهيم وسليمان ، ونجد اسمه أكمل من ذلك في بعض النصوص التي تشير إلى جده ، أبي مرزوق . ( 10 ) ولما كانت بلاد الشام بحكم كونها منطقة نفوذ للأخشيديين وآلت نظريا ، وعن طريق الإرث بعد تصفية نظامهم في مصر إلى الفاطميين ، وفي