هل في محاني الغوطتين كعهدنا
للواردين مباهج وهناء
أم نابها الداء الممض وراعها
قدر يروع إذا أتى وقضاء
تلك البطولة كم زهت بجمالها
سوح الوغى وتباهت الهيجاء
كم رفرف النصر الممنع فوقها
كم ذل حول قبابها الأعداء
تلك البطولة في دمشق فريسة
للموت تنهش قلبها الأدواء
وا لهفتاه لثائرين تحملوا
للحرب عن أوطانهم وتناؤا
يتلفتون وفي الصدور لواعج
تذكي الهموم وفي النفوس مضاء
يتساءلون عن الديار ورزئها
كيف الأبوة بعد والأبناء
حتى إذا ثار النضال تواثبوا
للنار لا خور ولا إعياء
صبرا دمشق وما استكنت لظالم
يوما ولا هانت بك العلياء
ذل الطغاة على حماك وسمتهم
خسفا به يتصاغر الكبراء
بأس على الهول المروع صابر
وحمية ملء الحمى وإباء
قد كان شعري في بنيك حماسة
واليوم شعري في بنيك رثاء
شاكية
ويح الحياة أأنت اليوم شاكية
هم الحياة وهذا الحسن ظمآن
أوجهك العذب أشجان مبرحة
وقلبك الغض بالآلام بركان
ظمياء والشعر مثل السحر منطلق
من فيك والحسن في عينيك فتان
وفي جبينك من نور الصبا ألق
وللجمال على خديك ألوان
أتحزنين ومنك البشر مطلعه
وتظمئين ومنك الكون ريان
وتشتكين تباريح الأسى ولكم
زالت ببسمتك الغراء أحزان
عودي
عودي إلي فصوت الحب يدعونا
ونغمة الشعر لم تبرح تنادينا
تهوى الرياض على شوق تواعدنا
ويشتهي السفح والوادي تلاقينا
سنملأ الكون شعرا من صبابتنا
ونترع الدهر عطرا من تناجينا
عودي إلي فلم أبرح كما علمت
هذي النجوم محبا فيك مفتونا
ألقى الجمال على عينيك مزدهرا
وفي جبينك أستجلي التحاسينا
غضب ورضا
لما التقينا على نار من الغضب
تذكى الجوانح بالتقريع والعتب
قالت أأنت نجي الليل والشهب
أنت المعنى بنا أم أنت ذو الطرب
تشدو بشعرك لا وجد ولا حرق
على الغرام ولكن فتنة الأدب
أنت الفراشة من زهر إلى ثمر
طول الحياة ومن جد إلى لعب
أنا الفراشة يا ظمياء هائمة
وليس وجهك غير النور واللهب
ثم افترقنا وبسمات الرضا نغم
في الثغر أو حلم نديان في الهدب
الخامس من حزيران
حدثت حرب الخامس من حزيران 1967 وأنا في مدينة كراتشي فكان من وقع أنبائها هذه القصيدة :
جل المصاب عن البكاء فكفكفي
دمع الذليل وعبرة المستضعف
يا أمة هانت فكم من شامت
في يومها الداجي وكم من مشتف
لهف العروبة والعروبة جذوة
أورى على الحدثان من أن تنطفي
للثائرين استسلموا لمذلل
للشامخين تذللوا المعنف
لمقاتلين تقصفت هاماتهم
في القدس تحت الراعد المتقصف
للمطعمين استطعمت راحاتهم
واستعطفت في الروع من لم يعطف
للمسجد الأقصى لمحراب الهدى
للطائفين على البراق لعكف
خفت الآذان على المآذن وانطوى
في المسجد الأقصى نداء المصحف
وهوى على المحراب خفق نعالهم
وطغى على الترتيل صوت المعزف
لا تلكم الجمع الحسان ولا صدى
آياتها للعابد المتقشف
يا أمة نامت على أحلامها
أودى اليهود بعزك المتغطرف
وهويت من وقفات مجدك والعلى
لامض مما عرف الورى من موقف
شدي على الغمرات لا تستيئسي
وامضي على الهبوات لا تتوقفي
أن يعنف الخطب الملم فداوه
من عزمك الماضي بخطب أعنف
يا نشء يا أمل النفوس ويا سنا
ما أنفك يبرق في الظلام المسدف
لا تجز عن قرب يوم عاصف
تختال فيه بكل سيف مرهف
ولرب يوم للعروبة ثائر
ولرب يوم بالفخار مفوف
القدس يجار بالشكاة مذلة
ويهود بالنصر المؤزر تحتفي
والمسجد الأقصى يطأطئ راغما
والقوم قومك [ بالتصايح ] بالنصائح تكتفي
يا نشء جد فلا اصطبار ولا ونى
يا نشء لا تغرر ولا تتعسف
إيلات . .
بعد فاجعة الخامس من حزيران 1967 كنت في لندن فحملت لنا الأنباء خبر اشتعال الدارعة اليهودية ( إيلات ) بالنار المصرية ، في عرض البحر وهي تحاول الدخول في المياه العربية :
إيلات ! . . صوتك في الظلام الأبعد
أورى من العزمات ما لم يخمد
نار تشب على البحار كأنها
في الحندس الداجي منارة معبد
سالت على الأمواج تحرق أهلها
وتريهم أن القيامة في غد
نار ولا نار المجوس كرامة
ولظى ولا برد النعيم المخلد
خشعت لها النفس الكريمة وارتوى
بعد الأوام بوهجها القلب الصدي
هي أن قنت إلى الإله محجتي
ولها - على الإسلام - طول تعبدي
أيلات ! . . أي يد رمتك بنارها
نار الجحيم وأي همة سيد
للخير ، للضيف الملم ، لنخوة
للهول ، للباس الشديد لمعتد
ردتك عن باب الكرامة وارتمت
بالنار توقد فيك ما لم يوقد
وأرتك ما لم تبصري في غارة
يوما وما لم تشهدي في مشهد
نذر من الثارات إن هبت غدا
وردت بإسرائيل أشقى مورد
إيلات ! . . أي المغرقين قذفتهم
في اليم بين محرق ومبدد
صفر من النخوات إلا أنهم
ملء البرود نذالة المتهود
عزاء .
ذكرتك في تباريح المصاب
ووجهك بعد ذاك النور خابي
ذكرتك والأسى يذوي شبابا
فداه بكل نازلة شبابي
فليت جراح قالبك في فؤادي
وليت عذابك المضني عذابي
أيا ألق الرجاء بليل ياسي
ويا أسنى الأماني والرغاب
لقد كنت البشاشة في حياتي
وأنت اليوم همي واكتئابي