البرغل
البرغل في القرية شيء أساسي وجزء من حياة القروي ، بل هو عماد قوته اليومي وركيزة غذائه على مدار السنة . فمنه تصنع ( المجدرة ) ومنه تصنع ( الكبة ) على اختلاف أنواعها ابتداء من ( الكبة النية ) إلى ( الكبة بالصينية ) إلى ( كبة اللبنية ) إلى الأقراص المقلية إلى غيرها . . . ومنه يصنع الطعام الذي يطلق عليه اسم ( البقلة ) وهو صنوف . فإذا أطلق اسم البقلة دون أن يضاف إلى اسم آخر عني به طبيخ البرغل مع مجموعة من الأعشاب البرية الخضراء . وهذا لا يكون إلا شتاء ، وذلك عندما يبدأ تساقط المطر وتبدأ الزروع والأعشاب بالاطلال من تحت التراب . فعند ذلك تخرج فتيات القرية وقد أخذت كل واحدة منهن سلة بيسارها وسكينا بيمينها ، وينطلقن في البراري يفتشن عما نجم من العشب البري حيث يخترقن الأرض بسكاكينهن على جذور الأعشاب مقتلعات للأعشاب من جذورها ومالئات بها سلالهن . وليست كل عشبة تصلح لذلك ، فبعض الأعشاب لا تؤكل . والفتيات يعرفن ما يؤكل وما لا يؤكل ويحسن انتقاء ذلك . وهذا الخروج إلى البرية واقتلاع الأعشاب والعودة بها إلى البيت يعرف باسم ( السليق ) فيقال : خرجت فلانة إلى ( السليق ) ( 1 ) وذهبت ( تسلق ) بتشديد اللام ( والسليق ) المجموع ينظف ويقطع ويطبخ مع البرغل مضافا إليه قطع البصل وزيت الزيتون فيخرج من ذلك طعام ( البقلة ) . وقد يضاف اسم ( البقلة ) إلى صنف آخر مطبوخ مع البرغل ، فيقال ( بقلة حمص ) أو ( بقلة فول ) إذا كان المطبوخ مع البرغل حمصا أو فولا . وسواء أكان الطعام ( بقلة ) أو بقلة فول أو بقلة حمص فهو أبدا خال من اللحم . وبذلك يكون نتاجا قرويا محضا مما أنبتته أرض القرية وعملت في إنباته يد الفلاح . لذلك فهو قليل التكاليف رخيص الثمن . والبرغل يستعمل أيضا مطبوخا وحده أو مضافا إليه من قطع البصل وهو بذلك يقوم مقام الأرز ، ويكثر في هذه الحال أن يطبخ معه نوع من المرق المؤلف من اللحم وبعض الخضار ، كما يصنع حين طبخ الأرز . ويسمى البرغل المطبوخ في هذه الحالة ( صايت ) . وأكثر ما يكون هذا في الولائم . وأدركنا من يطبخون ( الصايت ) ثم يجللونه بطبقة من الأرز غير كثيفة فإذا أزيلت بدا البرغل تحتها . ويفعلون هذا تجملا . . وأدركنا من روى لنا أن الأرز لندرته وغلاء ثمنه بالنسبة لثروة الفلاح ، كان يعتبر دخوله بيوت الفلاحين نتيجة ضرورة مؤذية . ذلك أنه كان يوصف طعاما للمرضى ، وكانت الفلاحة إذا ذكرت الأرز في مجتمع أعقبت ذكره بقولها : ( الله لا يدخله بيتكم ) . . . هكذا نرى أن حياة الفلاح في القرية تدور على البرغل وأنه الطعام اليومي الذي لا مناص منه ، على مختلف الأسماء التي تطلق على مطبوخه . . ومن هنا كانت مواسم البرغل في القرية مواسم حافلة . أن للبرغل في القرية موسمين : الموسم الأول هو موسم ( سلقه ) ، فبعد أن تنتهي البيادر ويجمع القمح وينقل إلى البيوت ، يبدأ الاستعداد لإنتاج البرغل . ففي كل قرية من يمتلكون ( الخلاقين ) جمع ( خلقينة ) . ( والخلقينة ) وعاء نحاسي ضخم كروي الشكل عميق القعر كبير المحيط حتى ليكاد يكون حوضا . وصاحب ( الخلقينة ) هو الذي يتولى سلق القمح وإعداده ليكون برغلا ، لقاء أجر معلوم هو حصة من البرغل نفسه ، وعملية السلق تبدأ بان تركز ( الخلقينة ) على موقد كبير يتسع لها ثم تثبت عليه تثبيتا محكما ، وعند ما يراد سلق القمح تملأ الخلقينة ماء ويوضع فيها القمح وتوقد تحتها النيران إلى أن ينضج القمح فيفرغ من الخلقينة ، وينشر في الشمس إما في مكان يعده صاحب الخلقينة نفسه ، أو على أسطحة أصحاب البرغل ، ويظل في الشمس إلى أن يجف وييبس وعند ذلك يرفع إلى البيوت ويجرد منه اسم القمح ، ويصبح اسمه برغلا ، وينتظر فيه الموسم الثاني وهو موسم ( الجراشة ) . ومن الطريف هجوم العصافير على القمح المنشور على الأسطحة فهي فرصة ثمينة للعصافير أن ترى الأسطحة وقد تلألأ عليها القمح في نور الشمس فتتنادى من كل مكان للانقضاض على السطح والفوز بالتهام أقصى ما تستطيع التهامة من هذا الغذاء اللذيذ ، فتراها وقد أقبلت رفا بعد رف وحطت على السطح مستعدة للغنيمة التي لا تكون دائما باردة ، بل هي على الأغلب حامية ، إذ أن أصحاب الأسطحة لا بد لهم من أن يضعوا على السطح ولدا تكون مهمته مطاردة العصافير بما تصل إليه يداه ، وهنا تبدأ المعركة ، فبينما الولد يطارد العصافير من أمام يكون غيرها منقضا من وراء أو من اليمين أو من الشمال . . .