قراءات
ولا بد لي أن أشير هنا إلى أني كنت أتوق إلى مطالعة كل ما هو جديد من الكتب ، فعدا الصحف اليومية التي كانت محصورة على الأغلب بجريدة المفيد ، وعدا المجلات الشهرية التي كانت هي الأخرى محصورة بمجلة العرفان ، فقد كنت أدخر كل ما أستطيع ادخاره من المال القليل الذي كان يصل إلي لشراء الكتب الحديثة . فمما قرأته في تلك السن . كتاب مذكرات جمال باشا ، وما رأيت وما سمعت للزركلي ، وملوك العرب للريحاني . وهذا الكتاب الأخير كان له في توجيهي النثري أعظم الأثر ، وتأثرت به إلى أبعد حدود التأثر ، إذ حبب إلي أدب الرحلات وعند ما بدأت أجرب كتابة هذا النوع من الأدب كان أسلوب الريحاني فيه يجذبني فاحاول احتذاءه منفعلا بتعابيره وطريقته . إلى أن أولعت بعد ذلك بالرحلات وكتابة انطباعاتي فيها بأسلوب مستقل . وقد كان من فضل هذا الكتاب أن حملني على تسجيل معظم رحلاتي حتى توفر لي من ذلك كتاب كامل نشر كله مقالات متفرقة ، وأرجو أن يتاح لي جمعها وطبعها معا ( 1 ) وإذا كنت قد أشرت من قبل إلى فضل أديب التقي في تثقيف قلمي ودفعي إلى الكتابة ، فإنني أود أن أشير هنا إلى أن الفضل في تحقيق ذلك كان لمجلة العرفان التي احتضنت قلمي وكان لا يزال غضا طريا ، وشجعتني ما وسعها التشجيع . وأولى رحلاتي نشرت في العرفان ، ثم تتابع نشرها فيها ، وما كان لها أن تنشر في غيرها لأسباب منها : أنني أنا نفسي لم أكن لأجرأ على بعث ما أكتبه لغير العرفان ، ثم لنوعية الرحلات ، إذ كانت رحلات محدودة المكان والزمان ، لا تهم غير قارئ العرفان في الغالب . ولما توسعت الرحلات وانتشرت في كل مكان وأصبحت شيئا مذكورا ، ظللت وفاء للعرفان وصاحبها لا أنشرها إلا فيها على الأكثر . ومن مطالعاتي المبكرة تلك الأيام التي كان لها أبعد الأثر في نفسي . ووجهتني بعد ذلك إلى التوغل في دراسة التاريخ الإسلامي ، هو ما كنت أطالعه في كتب والدي التي كان ينشرها في ذلك الحين وأخص منها كتابه المجالس السنية الذي كنت أقرأه حين صدوره ملزمة ملزمة ، وربما قابلت معه التجارب التي تأتيه من المطبعة ( البروقات ) ، فتنطبع في نفسي الأحداث ويشوقني ذلك للشغف في قراءة أمثالها . وقد بلغ الأمر في اطمئنان والدي إلي ، أن اضطر مرة للسفر إلى بيروت بينما كان يطبع الجزء الثاني من كتابه المجالس السنية فعهد إلي أن أتولى - وأنا في تلك السن - تصحيح التجارب وإعادتها إلى المطبعة ، فقمت بالمهمة أحسن قيام ، وعاد والدي بعد أيام ورأى العمل مستمرا لم يتوقف في غيابه . وأذكر أن مما أثر في نفسي خلال قراءتي للمجالس ، قصة مصرع حجر بن عدي ، وقصة الحضين بن المنذر وما قاله فيه أمير المؤمنين من الشعر يوم صفين ، إذ كانت مع الحضين راية ربيعة ، وكان شابا صغير السن ، فزحف بالراية فأعجب عليا زحفه فقال فيه هذه الأبيات التي هي من الشعر القليل الثابت أنه لأمير المؤمنين ، والتي استظهرتها حين قراءتها :