نادر « شاه رخ ميرزا » المسجون فأخرجوه من السجن ونصبوه شاها على إيران . وقد استطاع هذا الشاه الجديد أن يقبض على « إبراهيم خان » فأعمى عينيه ثم قتله . وسلم « علي شاه » [ و ] الأعمى إلى حريم نادر فقطعنه قطعة قطعة ! ثم ثار جماعة على « شاه رخ شاه » فخلعوه وأعموا عينيه وسجنوه ، ونصبوا في مكانه على العرش سبطا للشاه سليمان الصفوي . ولم يدم ملك هذا سوى أربعين يوما ، إذ عادوا فخلعوه وقتلوه ، وأعادوا « شاه رخ » الضرير إلى العرش ! ثم حدثت انقلابات وفجائع أخرى لا مجال لذكرها هنا .
قبر نادر شاه
دفن نادر شاه في مشهد . وكان قد بنى في حياته لنفسه قبرا فيها وقبرا في « كلات » . والظاهر أنه إنما فعل ذلك احتياطا لاحتمال أن لا يستطاع دفنه في إحداهما فيدفن في الأخرى .
وقد هدم قبره ابن أخيه « علي قلي خان » بعد إعلان نفسه شاها على إيران ، وسمى نفسه « علي شاه » . ثم أعيد بناؤه في ملك « شاه رخ شاه » حفيد نادر . فلما ملك القاجاريون هدموه وهدموا أيضا العمارات الفخمة التي بناها نادر في « كلات » ومنها ذلك المسجد الأنيق . وهي اليوم أطلال بالية ، وظل قبره منهدما إلى هذا العصر ، إذ بنوا له قبرا ورفعوا تمثالا .
نقش خاتمه
وكان نقش خاتمه :
« لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار » .
« نادر العصر أنا وبلطف الحق عبد الثمانية والأربعة أنا » ( 1 )
بعض خصائصه وتطلعاته
من أبرز الأمور في سيرة نادر شاه حرصه الدائم على تهيئة الأسباب لتوحيد السنيين والشيعة في مجتمع إسلامي واحد ، وتجاوز الحدود القومية والمذهبية والقبلية التي تفرق بين المسلمين ، إلى أمبراطورية إسلامية موحدة تتاخى فيها قومياتهم وقبائلهم ومذاهبهم الدينية .
وخطابه الذي تلي على الجمهور بعد حفل تتويجه ، ورسائله إلى السلطان العثماني ، ومعاملته الأسرى العثمانيين بالحسنى ثم إطلاق سراحهم ، وحسن معاملته للأفاغنة السنيين ، بعد غزوة لهم وغلبته عليهم في « هرات » و « قندهار » و « كابل » وغيرها ، مع كل ما أوقعوه بالايرانيين من نكبات وظلم وقتل وتخريب ، وحرصه على أن يكون جيشه مزيجا من أهل السنة والشيعة ، ونقله طوائف من الأفشاريين والبختياريين والأذربيجانيين والأفاغنة والعراقيين إلى خراسان ليحصل تمازج واختلاط بين أبناء تلك الطوائف ، ودأبه على تنبيه الشيعة ، بمنتهى الشدة ، إلى وجوب الامتناع عن كل ما يؤذي شعور أهل السنة ، وتهديده المخالفين بالعقاب الشديد ، كل ذلك كان توجيها إلى ذلك السبيل .
والمؤتمر السني الشيعي الذي عقده في النجف والمحضر الذي حرر بوقائع هذا المؤتمر ووقع عليه ممثلو أهل السنة وممثلو الشيعة كان يرجو أن يكون الخطوة الحاسمة إلى هذه الغاية .
ومن ثم كان في محاربته العثمانيين يجعل عمدة شروطه عليهم للصلح رفع الاختلاف من بين أهل السنة والشيعة . ولو استجاب له العثمانيون لوقوا العالم الإسلامي من كثير من الفواجع والكوارث ورفعوا المسلمين إلى مكانة عزيزة .
وكانت حروب نادر شاه كلها من أجل استرداد أرض بلاده المغتصبة ، وحماية بلاده من دسائس الأجانب الطامعين فيها ، وإخضاع الانفصاليين والعصاة . ولكنه كان دائما يفضل أن يحقق ذلك بالصلح والتفاهم ، فلا يتوسل إليه بالحرب إلا مضطرا . وما من مرة اقترح فيها العدو عليه الصلح إلا وقبل بلا تردد ولو كان ذلك العدو قد سلف منه نقض لعهود الصلح .
وكان هادئا ثابتا في مقابلة المخاطر . ومن مظاهر ذلك أنه لما أطلقت عليه الرصاصة في غابة « سواد كوه » فجرحته في يده جرحا بسيطا وقتلت حصانه ، تظاهر بالموت ليحمل مطلق الرصاصة على الاكتفاء بها ، إذ يكون همه المبادرة إلى الفرار ، فلا يثني بغيرها . ولو رآه سالما لثنى .
ومن ذلك أنه لما كان في طريقه إلى غزو داغستان أقام معسكره مرة على مقربة من نهر « جرجان » . واتفق أن طفى النهر بسيل عظيم وجرفت حواميل الماء كثيرا من الجند والدواب والمعدات ، بل جرف السيل خيام حرسه من حوله ، وأصبحت خيمته نفسها معرضة للسيل ، ولكنه رفض أن ينقلها إلى مكان أعلى ، وظل جالسا على متكئه ينظر إلى السيل هادئا مطمئنا .
أما نظرته إلى مهمة السلطان الحاكم فتتضح من هذه الكلمة التي تضمنها أحد مراسيمه . قال :
« ظاهر للعالمين أن وجود أمثالنا ، نحن العباد الترابيين الذين وصلوا إلى مقام الرئاسة في ظل الخالق ، إنما هو من أجل إعانة الضعفاء والمرؤسين ومواساتهم ، عملا بفحوى * ( » كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته « ) * .
شهادات
كتب « نابليون بونابرت » في رسالته إلى « فتح علي شاه » القاجاري :
كان نادر شاه محاربا عظيما استطاع أن يحصل على قدر كبير من القوة ، يخشاه طلاب الفتنة ويدهش منه مريدو السوء من جيرانه . تغلب على أعداء وطنه ، وتملك عزيزا .
وقال السائح الفرنسي الفيلسوف « الشوفالية جان شاردان » في كتابه له في رحلاته :
قل نظير نادر في كفاءته وخبرته . وهو ، إلى ذلك ، رجل حسن [ السليفة ] السليقة متقن لعمله . يكافئ العاملين الجادين ، شديد في تنبيهه للمتراخين المقصرين . قد أثبت في كل مقام قام فيه كفاءة وإتقانا للعمل كما يجب أن تكون الكفاءة والإتقان . ولما أصبح مقربا إلى بلاط الشاه دله على ما يجب عمله لتمييز المتملقين المجرمين عن غيرهم ، والطريق التي يجب اتباعها لمجازاتهم وإبعادهم عن البلاط .
وقال المؤرخ الانكليزي « جيمس فريزر » [ معاصرنا ] معاصر نادر شاه في كتابه « تاريخ نادر شاه أفشار » :
هامش
( 1 ) لم يقل « الاثني عشر » لأن الأصل الفارسي منظوم شعرا . ومراعاة الوزن والقافية قضت بان يقول « الثمانية والأربعة » .