فقال ثمامة : أتؤمن - يا أبا العتاهية - بان هذا قول رسول الله ، وإنه الحق ؟ . قال : نعم . فقال ثمامة : فلم تحبس عندك سبعا وعشرين بدرة ( 1 ) في دارك ، ولا تأكل منها ، وتشرب ، ولا تزكي ، ولا تقدمها ذخرا ليوم فقرك وفاقتك ؟ . فقال أبو العتاهية : يا أبا معن والله إن ما قلت لهو الحق ، ولكني أخاف الفقر والحاجة إلى الناس . قال ثمامة : وبم تزيد حال من افتقر على حالك ، وأنت دائم الحرص ، دائم الجمع ، شحيح على نفسك ، لا تشتري اللحم إلا من عيد إلى عيد ( 2 ) وجاء في « الأغاني » : كان علي بن يقطين صديقا لأبي العتاهية ، وكان يبره في كل سنة ببر واسع ، فأبطأ عليه بالبر في إحدى السنين ، وكان إذا لقيه أبو العتاهية أو دخل عليه يسر به ويرفع مجلسه ولا يزيده على ذلك . فلقيه ذات يوم ، وهو يقصد دار الخليفة ، فاستوقفه ، فوقف له فأنشده :
فقال علي بن يقطين : لست والله أبرح ولا تبرح من موضعنا هذا إلا راضيا . . وأمر له بما كان يبعث به إليه في كل سنة . ( 3 ) في هاتين القصتين نجد مفتاح المعضلة التي نريد أن نعالجها ، في هذا الفصل ، من أمر أبي العتاهية ، شاعر الزهد . فهو - إذن - يعرف قدر المال معرفة إنسان ومعرفة مفكر معا ، وهو مدرك أعمق الإدراك - إذن - ان المال ضرورة لا غناء عنها ولكنه ليس غاية لذاته ، بل لا تزيد قيمة المال عنده عن كونه وسيلة « يعتق بها نفسه » ، أي يحرر بها إنسانيته من عبودية الخوف : « خوف الفقر والحاجة إلى الناس » . ولذلك يرى أبو العتاهية ان المال الحق إنما هو المال الذي تتخذ منه هذه الوسيلة ، أي ما تنفقه أنت لحاجتك ، لدفع الفقر عن نفسك ، لتحرير ذاتك من هوان الطلب وذل السؤال ، فإذا ادخرته أو استعملته لغير هذه الوسيلة ، ذهبت عنه صفة المال ، وانقلب من شيء تملكه أنت إلى شيء هو يملكك ويستعبد إنسانيتك . ومن هنا كان أبو العتاهية يحب المال ، ومن هنا كان دائم الحرص عليه ، دائم الجمع له ، شحيحا على نفسه ، لا يشتري اللحم إلا من عيد إلى عيد ، كما يقول ثمامة بن الأشرس ، وكما اعترف هو بذلك . وإذا كان يبدو هذا الحرص ، وهذا الجمع للمال ، وهذا الشح البالغ على النفس - غريبا إلى حد الشذوذ ، فان وراء ذلك أمرا يدل عليه حال أبي العتاهية أوضح دلالة ، وهو أن الرجل كان يعيش في زمن يبلغ به خوف الناس من بؤس الفقر وذلة الحاجة هذا المبلغ الرهيب ، حتى ليضطر شاعر مثل أبي العتاهية ، له جاه وصيت وصولة لسان ، أن يحرص على المال ويدأب في جمعه ، ويشح بإنفاقه على نفسه ويحرم اللحم على معدته إلا يوما في السنة أو يومين ، لأن شبح الفقر لا يبرح خياله ، ولأن ذل السؤال لا ينفك يساور نفسه ، فما بالك بغير هذا الشاعر ، السائر الذكر ، من طبقات العمال الضعفاء والمغمورين والمنبوذين ؟ . . فإذا انتقلنا إلى قصة أبي العتاهية مع علي بن يقطين ، تزداد هذه الدلالة عندنا وضوحا ، إذ نرى شاعرنا يعترض صديقه هذا ، وهو في طريقه إلى دار الخليفة ، فيبدي له الغضب إلى حد السخط ، لأنه يثني عليه منذ زمن فلا يلقى جواب الثناء إلا السلام وحسن اللقاء ، وهو يريده لشيء غير هذا ، يريده لدنياه ، لحاجته العاجلة في دنياه ، لهذا البر الذي عوده إياه ابن يقطين في كل عام ، وليس يريده لأمر في دينه يدخره إلى يوم الدين ! وأبو العتاهية لا يترك ملامته اللاذعة يوجهها لصديقه الجليل ابن يقطين ، دون أن يفصح عن سبب هذه الملامة ، فهو يصف له حال مجتمعه وكأنه يعتذر إليه بان حال مجتمعه هذه هي التي تضطره أن يقصده بالثناء لغير شيء سوى البر والعطاء :