وانتدب ناصيف النصار فرقة من أبسل جنوده وأوفرها شجاعة لا تزيد عن خمسمائة فارس فبيتت للعدو وزحفت اليه ليلا فأحاطت به من جهات ثلاث وأعملت فيه السيف ولم ينج من القتل إلا من القى نفسه في البحيرة ولم يقتل من المهاجمين جندي واحد . وفر الوالي عثمان باشا منهزما لا يلوي على شيء . ( 1 ) وينقل محمد جابر آل صفا عن أستاذه السيد محمد علي إبراهيم الحسيني نادرة لطيفة حدثت خلال هذه المعركة « تدل على ما لسلامة الاعتقاد من التأثير » وهي انه لما بدأ ناصيف بالزحف برجاله ليلا بعد الصلاة والدعاء شاهدوا ظبيا يقفز امامهم بين تلك الروابي وخلفه رجل معمم ينشد أبياتا أولها :
وسرى الخبر بين المهاجمين ونشطهم رؤساؤهم ان الله سبحانه وتعالى قد استجاب دعاءهم ببركة النبي يوشع وأن روحه الشريفة تجسدت هذا الغزال اللطيف وأن الفوز بجانبهم وكان ما أملوا . كما ينقل المؤرخ نفسه عن الأمير حيدر الشهابي انه كتب في تاريخه : ان إبطال المتأولة بعد تلك الكسرة الهائلة شاهدوا درويش باشا والي صيدا وهو ابن عثمان باشا والي الشام فخاف على نفسه وكان جبانا ففر منها . ( 2 ) وفي معركة البحيرة نظم شعراء جبل عامل قصائد وزجليات نكتفي بذكر أبيات من قصيدة للشيخ إبراهيم الحاريصي :
وقد أجمع المؤرخون العامليون على اعتبار هذه المعركة معركة عاملية خالصة . واستند هؤلاء في ذلك إلى مؤشرات عدة أبرزها ان عثمان باشا كان يقصد بحملته بلاد المتأولة لأنه عندما اجتاز بعساكره جسر بنات يعقوب جنوب الحولة لم ينحرف بهم نحو بلاد ظاهر العمر في صفد وطبريا بل انحرف بالعسكر إلى شمال الجسر حيث نزل بهم على حدود بلاد المتأولة بين بحيرة الحولة وبين الجبال العاملية المطلة على البحرة وما حولها من سهل الخيط وسهل الخالصة . ( 3 ) يضاف إلى هذا أن العامليين جميعا هم وحدهم الذين واجهوا جيش الوالي العثماني فقد اشترك في هذه المعركة الشيخ حمزة المحمد والشيخ حمد العباس والشيخ علي الفارس الصعبي تحت قيادة ناصيف النصار . ( 4 ) وقد ترتب على هذه المعركة نتائج مهمة . فقد كان انتصار العامليين البارز عاملا حاسما في ازدياد ثقتهم بأنفسهم وأصبحوا يتطلعون إلى أبعد من الدفاع عن أنفسهم بل أخذوا بالتوجه نحو صيدا لتحريرها من نير الوالي العثماني . وبالفعل فان درويش باشا والي صيدا هرب إلى الشام بعد هزيمة والده في الحولة . ( 5 ) أما النتيجة الثانية لهذه المعركة فهي اندلاع الصراع في مصر بين علي بك وأبي الذهب الذي ادعى انه تراجع عن دمشق بسبب تخاذل ظاهر وناصيف في القتال . فجاءت نتائج هذه المعركة لتفضح تأمر أبي الذهب وأرسل علي بك حملة للقضاء عليه . وأخيرا كان من أهم نتائج هذه المعركة فيما يخص جبل عامل زيادة خوف الدولة العثمانية من هذه الزعامات القادرة القوية فزادت من ضغولها على الأمير يوسف الشهابي لقتال العامليين . فكانت معركة كفر رمان بينه وبين العامليين بعد خمسين يوما من معركة الحولة .