السيد محمد الأمين بن السيد علي .
مرت ترجمته في المجلد التاسع ، الصفحة 126 . وأشير فيها إلى مساهمته في الحركة الاستقلالية العربية الأولى وننشر هنا بعض التفاصيل عن تلك الحركة لارتباط حياة المترجم بها ، وقد كتب ذلك عادل الصلح في كتابه ( سطور من الرسالة ) : لقد تعددت العوامل التي كانت تتضافر على تفتيت الكيان العثماني ، منها ما هو داخلي متات من النظم الاستبدادية المطبقة على الأفراد والجماعات في أراضي الدولة ، ومنها ما هو خارجي متراكم على مرور الزمن . والواقع اننا إذا ألقينا نظرة شاملة على المحاولات النظرية في حقول الإصلاح ، لتبين لنا ان المسؤولين في الدولة العثمانية كانوا يحسون بما يعتمل في الصدور . فقد كانت النفوس متحفزة في بعض العهود ، لا سيما الأخيرة منها ، لوثبات تؤدي إلى تبديل الأوضاع وتدني الحكم العثماني - قدر الاستطاعة - من النظم الحديثة المطبقة في بلدان أوروبا وأميركا الشمالية . ولذلك كان بعض الحاكمين يطلعون على الشعوب الخاضعة لهم ، بين حين وآخر ، ببيانات وقوانين يضمنونها الحقوق الصريحة والأنظمة الراقية ، ويقطعون في ذلك الطريق على طالبي الإصلاح حتى إذا سنحت لهم الفرصة ، ورأوا أن دعاة الحرية والعدالة والمساواة ضؤل شأنهم ، ألغوا ما وضعوه من دساتير وما سنوه من قوانين ، وعادوا سيرتهم الأولى في الاستبداد في إدارة شؤون رعاياهم . وهذا التجاذب الدائم ، بين طموح الأحرار ، وأنانية أصحاب السلطان ، أوقع الحكم العثماني في مازق ، كثيرا ما جعلته عرضة للمخاطر والمهالك . وكانت العوامل الخارجية في وجوهها المتعددة ، تفيد من حالة الاضطراب والقلق هذه ، وتعمل على إذكائها في مساعدة الفساد على التفشي ، والظلم على الاستشراء . وتتجاذب القوى العالمية الحاكمين في اتجاهات متعاكسة ، فتشد من ازرهم حينا ، وتقلص ظلهم أحيانا . وتقف بريطانيا إلى جانبهم احتراسا من الخطر الروسي وغيره ، وتتحرك الجيوش الأجنبية فتقضم أطراف السلطنة شيئا فشيئا . وقد تتوجه بقواها في طريق العاصمة فتهتز عواصم الغرب ، وتلتئم المؤتمرات ، وتعقد المعاهدات ، لتحول دون انحلال الدولة وانهيارها ، فتستمر بفضل التنافس الدولي قائمة ، ويظل الإصلاح المنشود مغفلا في زوايا الإهمال . وفي الحقبة الأخيرة من القرن التاسع عشر ، كانت الاضطرابات تعم أكثر المقاطعات العثمانية الأوروبية . ففي الجبل الأسود وبلاد الصرب ثورات ، وفي سائر المناطق عصيان واضطراب . ( 1 ) وفي عام 1877 وقعت الحرب بين روسيا والدولة العثمانية ، وكانت حربا طاحنة اهتمت لها دول العالم أيما اهتمام ، لارتباط الكثير من المصالح الحيوية لكبريات هذه الدول ، بأحوال الدولة العثمانية . وقد كانت الغلبة في النهاية للجيش الروسي ، الذي وصلت طلائعه ، في إحدى ليالي شهر آذار عام 1878 ، إلى سان استفانو . ( 2 ) وعند فجر اليوم التالي لوصوله ، فوجئ القواد الروس بالأسطول الانكليزي يقابلهم في البحر . وكان ذلك نذيرا لهم بان لا يتقدموا أكثر مما فعلوا . وتفاوض الفريقان ، العثماني والروسي ، وعقدا معاهدة كانت شديدة القساوة على الدولة العثمانية ، حتى أصبحت بذلك في حالة قريبة من الانهيار . وكما كانت الدول الكبرى تسعى للإفادة من حالة الاضطراب السائدة في أراضي الدولة ، كذلك كانت القوميات التابعة لها تعمل لخلق كيانات مميزة لها . قال والدي منح الصلح فيما كان يحدثني به : كان الوعي العربي ، قبيل الحرب الروسية العثمانية التي تقدم ذكرها عام 1877 - 1878 وأثناءها ، ينمو في سوريا باضطراد ، وكانت الدولة العثمانية في هذه الفترة من الزمن تبدو مشرفة على الزوال . فالشعوب البلقانية : البلغار ، والجبل الأسود ، والصرب ، والافلاق والبغدان ( 3 ) ، تطالب بمنحها المزيد من مقومات السيادة الوطنية . والأرناؤوط ( 4 ) يطلبون صيانة بلادهم من الاحتلال الأجنبي ، والولايات الأرمنية تطالب باصلاحات إدارية ، والنمسا تطمع بالاستيلاء على ولايتي البوسنة والهرسك والروس يطمعون باحتلال بعض الولايات في شمال شرقي الأناضول إلخ . . فكان وضع الدولة المضطرب ، والوعي القومي النامي في سوريا ، حافزين أهابا بأهل البلاد ليتداولوا في ما يجب عمله لتجنيب وطنهم المصير السيء ، ومن أفجع صوره وقوع احتلال أجنبي . ( 5 ) وقامت لتامين هذا القصد حركة فكرية ، ثم حركة عاملة فاعلة ، اتخذت لها بيروت منطلقا . وكان من أسباب هذا الاختيار أن الرجل الذي