الأمير عز الملك محمد بن عبد الله بن أحمد الحراني .
الأفضل محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني أبو الفتوح .
قال الذهبي في ( سير أعلام النبلاء ) : برع في الفقه على الإمام أحمد الخوافي الشافعي ، وقرأ الأصول على أبي نصر بن القشيري وعلى أبي القاسم الأنصاري . وصنف كتاب ( نهاية الاقدام ) وكتاب ( الملل والنحل ) . وكان كثير المحفوظ قوي الفهم مليح الوعظ . سمع بنيسابور من أبي الحسن بن الأحزم . قال السمعاني : كتبت عنه بمرو ، وحدثني انه ولد سنة سبع وستين وأربع مائة . ومات في شعبان سنة ثمان وأربعين وخمس مائة . ثم قال : غير أنه كان متهما بالميل إلى أهل القلاع والدعوة إليهم والنصرة لطاماتهم . قال في « التحبير » : هو من أهل شهرستانه ( 1 ) ، كان اماما أصوليا عارفا بالأدب وبالعلوم المهجورة . قال وهو متهم بالإلحاد ، غال في التشيع . وقال ابن أرسلان في « تاريخ خوارزم » عالم كيس متفنن ، ولولا ميله إلى أهل الإلحاد وتخبطه في الاعتقاد لكان هو الامام ، وكثيرا ما كنا نتعجب من وفور فضله كيف مال إلى شيء لا أصل له ، نعوذ بالله من الخذلان ، وليس ذلك الا لاعراضه عن علم الشرع واشتغاله بظلمات الفلسفة . وقد كانت بيننا محاورات ، فكان يبالغ في نصرة مذاهب الفلاسفة والذب عنهم ، حضرت وعظه مرات ، فلم يكن في ذلك قال الله ولا قال رسوله ، سأله يوما سائل ، فقال : سائر العلماء يذكرون في مجالسهم المسائل الشرعية ويجيبون عنها بقول أبي حنيفة والشافعي ، وأنت لا تفعل ذلك ، فقال : مثلي ومثلكم كمثل بني إسرائيل يأتيهم المن والسلوى ، فسألوا الثوم والبصل . إلى أن قال ابن أرسلان : مات بشهرستانة سنة تسع وأربعين وخمس مائة ، قال وقد حج سنة عشر وخمس مائة ، ووعظ ببغداد ( انتهى ) . هكذا ترجم الذهبي للشهرستاني صاحب كتاب ( الملل والنحل ) ، وهو وان كان ينسب الأقوال لغيره فما دام لم يعلق عليها فمعنى ذلك أنه يتبناها . فالشهرستاني هنا هو طورا متهم بالميل إلى أهل القلاع والدعوة إليهم والنصرة لطاماتهم ، وطورا متهم بالإلحاد ، وانه غال في التشيع . والمقصود بأهل القلاع هم الإسماعيليون النزاريون ، أهل قلعة الموت وغيرها من القلاع التي كانت تحت سلطنتهم . وتعرف مدى افتراءات الذهبي ومن نقل عنهم ننقل لك ما قاله الشهرستاني نفسه عن الإسماعيليين النزاريين بعد شرح عقائدهم ونقل أقوالهم : قال الشهرستاني : « وكم قد ناظرت القوم على المقدمات المذكورة ، فلم يتخطوا عن قولهم : أفنحتاج إليك ؟ أو نسمع هذا منك ؟ . أو نتعلم عنك ؟ وكم قد ساهلت القوم في الاحتياج ، وقلت : أين المحتاج اليه ؟ وأي شيء يقرر في الإلهيات ؟ . . وما يرسم لي في المعقولات ؟ . . إذ المعلم لا يعني لعينه وإنما يعنى ليعلم ، و [ فد ] قد سددتم باب العلم ، وفتحتم باب التسليم والتقليد ، وليس يرضى عاقل بان يعتقد مذهبا على غير بصيرة وان يسلك طريقا من غير بينة » ( 2 ) يقول الشهرستاني هذا القول ، وهو مع ذلك عند الذهبي ومن لف لفه : يدعو للإسماعيليين النزاريين وينصر طاماتهم ! ! . . ويتحامل الشهرستاني على الشيعة ما يتحامل ويخترع لهم فرقا اختراعا ، ومع ذلك فهو عند الذهبي ومن نقل عن الذهبي غال في التشيع ! ! ( 3 ) ويحمل الشهرستاني على من يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر ، ويندد بالمنافقين ويدافع عن الايمان ، ومع ذلك فهو عندهم متهم بالإلحاد ! ! والحقيقة ان الذهبي وأضرابه من أمثال ابن تيمية من ذوي العقول السوداء المتحجرة والتعصبات النحلية العمياء يرون في استنارة الأذهان بتلقي العلوم العقلية كالفلسفة لعمههم ضلالا ، ويرون فيمن لا يقلدهم في نحلهم مباح الكرامة حلال الدم . فلذلك تراهم يجردون أقلامهم لتضليل الناس وتكفيرهم ، والشهرستاني ممن درسوا الفلسفة وعنوا بها حتى لقد قال عنه في هذا العصر الشيخ مصطفى عبد الرزاق « إن الشهرستاني من أهل الفلسفة الإسلامية كابن سينا ، ويستشهد بآرائهما » . وقال عنه محمد بن فتح الله بدران من علماء الأزهر : « وناقش الآراء الفلسفية في كتابين : نقض شبه أرسطو وابن سينا ، ومصارع الفلاسفة » . لذلك يرميه الذهبي بما يرميه . ولما كانت تهمة التشيع عنده من أفظع التهم لذلك رأى أن يقذفه بها . يقول صاحب كتاب ( الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة ( ج 1 ص 145 - 146 ) : « كان الناس إذا أرادوا أن يكيدوا لشخص دسوا عليه من رماه بالتشيع فتصادر املاكه وتنهال عليه العقوبات والإهانات حتى يظهر التوبة من الرفض » . وهذا عين ما أراده الذهبي فيما قاله عن الشهرستاني . ولتعرف ذهنية هؤلاء السخيفة وعقولهم الخرافية ، ننقل لك بعض ما ذكره عمن سماه أبو الحسن الزاهد . قال وهو يتحدث عن مناقبه : « ان الشيخ استف من صرة ، فرآه رجل فأراد أن يستف منه فإذا هو مر ، فلما جاء الشيخ ، قال : يا سيدي ما في الصرة ؟ فناوله منها كفا ، فإذا هو سكر وقالب لوز . . » . ثم ذكر له منقبة أخرى : « . . . كنا بعسقلان في يوم عيد فجاء أبو الحسن الزاهد إلى امرأة معها خبز سخن ، فقال تشتهين لزوجك من هذا الخبز - وكان زوجها في الحج - فناولته رغيفين ، فلفهما في مئزر ومضى إلى مكة ، فقال خذ هذا من عند أهلك ، وأخرجه سخنا ورجع ، فرأوه يومئذ بمكة وبعسقلان . . . » . وذكر له منقبة ثالثة : « . . . كنت مع أبي الحسن الزاهد فقال لناس : اعطوني من ناركم فملئوا له قطعة جرة ، فقال : صبوها في ملحفتي ، فصبوها في ملحفته فأخذها ومضى » . ويسترسل في ذكر مناقبه : « رش ماء على زمنة فمشت » . « أراد لص