مقال الأستاذ كوربان
لعل بعض الحضور الكرام يذكرون اننا اجتمعنا منذ بضع سنوات في هذا المكان وتحدثنا عن واحد من كبار المفكرين يسيطر اسمه على ما نسميه اليوم « مدرسة أصفهان » . هذا الحكيم السامي هو « مير داماد » أحد أبرز شخصيات النهضة الصوفية . بين تلاميذه المتعددين الذين يشكلون أسرته المعنوية يحتل اسم ملا صدرا المرتبة الأولى ، حتى لقد غطت آثاره حتى حد ، كتابات أستاذه المعروفة بتعقدها وإبهامها . واليوم وقد صممت على التحدث عنه ، فاني أفعل ذلك عن قصد مشخص هادف . ولد صدر الدين الشيرازي - استنادا إلى ما يمكن استنباطه من حاشية كتبها بنفسه لأحد آثاره - حوالي السنة 979 أو 980 هجرية قمرية ( اي حوالي 1573 ميلادية ) ، ونحن الآن ( اي خلال سنة 1962 ميلادية ) نعيش في العام 1382 الهجري ، اي اننا منذ سنتين خلتا بحساب السنوات القمرية واجهنا ذكرى مرور أربعمائة سنة ( 980 - 1380 ) على ولادة هذا الحكيم الكبير وقد احتفل في « كلكتا » في العام الماضي بهذه الذكرى بمساعي المجتمع الإيراني ( انجمن إيران ) ( 1 ) ، وأظن أن جامعة طهران قد نمت عن رغبة في إقامة احتفال مجلل في هذه الحاضرة أيضا بمناسبة هذه الذكرى ، رغم العوائق التي أخرت إقامة هذا الاحتفال . ان بحثنا ، بناء على هذا ، ليس أكثر من مقدمة ، ولكنها مقدمة يتعذر علي أن أنهيها إلى اسماع المستمعين الا مع نوع من العاطفة الشخصية تمنحني العذر في انني سأتصرف في محاضرتي بعض التصرف ، وفي أن أضيف بعض الخواطر الخاصة التي عرضت لي حين جئت إيران لأول مرة منذ سبعة عشر عاما ( في أيلول - سبتمبر 1945 ) . ففي ذلك الحين كان قد مضى علي سنوات في تركيا قضيتها في أعداد قسم من كتابات شهاب الدين يحيى السهروردي ، ذلك الذي يعرف في إيران بلقب « شيخ الإشراق » ، والذي استشهد في حلب سنة 587 وهو بعد في الثامنة والثلاثين من عمره . ولقد كتب صدر الدين الشيرازي - كحكماء آخرين - شرحا لكتاب ضمنه السهروردي كل أفكاره خلال حياته القصيرة ، وكان شرح ملا صدرا هذا بسطا وعرضا لمعتقداته الشخصية الخاصة . ان هذين الاسمين وهذا الأثر غير قابلة للانفكاك عن بعض ، ولذا كنت أحس ان السهروردي أخذ بيدي - لو أمكنني ان أقول هذا - وارشدني إلى ذلك المكان الذي هو « وطني المعنوي » . ومع أن الشخصيات البارزة التي جرى معها حديث ومباحثات عن السهروردي وصدر الدين الشيرازي كانت كثيرة ولا شك ، الا ان كتابات الحكيمين كليهما كانت لا تزال غامضة بعض الشيء ودون ما هما أهل له من شهرة وتقدير ، وها ان الاحتفالات الرسمية التي ارتفعت مشاعلها اليوم تدل على الاهتمام بتلك الآثار وتقديرها . انا لا أريد في هذا الحديث ان أرى لأمر آني سريع الزوال أهمية فائقة ، بل انني أفكر بأمر أعمق وأجل ، أمر تظهره وتدل عليه سلسلة من المنشورات . أريد أولا ان أظهر تقديري للأستاذ الفاضل العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي أستاذ العلوم العقلية في حاضرة « قم » العلمية الدينية على مساعيه وجهوده في الطبعة الجديدة من كتاب « الاسفار » رائعة ملا صدرا الكبرى التي سنتحدث عنها بعد قليل . ثم إن الاستعدادات للاحتفال بذكري ولادته منذ أربعمائة سنة حملت على طبع تاليفه التي لم تكن قد طبعت بعد ، فقد وضع السيد جلال الدين الآشتياني الأستاذ المساعد بكلية العلوم المعقولة والمنقولة في « مشهد » كتابا جامعا عن سيرة ملا صدرا وآثاره وأفكاره الفلسفية ، وطبع أحد مؤلفاته العربية ، ثم ألف كتابا كبيرا مبنيا على أفكاره الخاصة عن الوجود ( 2 ) . ونشرت كلية العلوم المعقولة والمنقولة في جامعة طهران من جهة أخرى عدة كتب ، كما أن الدكتور السيد حسين نصر