فقال له الضحاك بن عبد الله يا بن السوداء ( 1 ) والله لا يعز من نصرت ولا : يذل من خذلت ، فتشاتما . والضحاك هو الذي يقول :
( 2 ) فقام عبد الرحمن بن عمير بن عثمان القرشي ثم التيمي ( 3 ) فقال : عباد الله إنا لم ندعكم إلى الاختلاف والفرقة ، ولا نريد أن تقتتلوا ولا نريد أن تتنابذوا ، ولكنا إنما ندعوكم لجمع كلمتكم وتوازروا إخوانكم الذين هم على رأيكم ، وأن تلموا شعثكم ( 4 ) وتصلحوا ذات بينكم [ بينكم ] ، فمهلا مهلا - رحمكم الله - اسمعوا لهذا الكتاب الذي يقرأ عليكم ، ففضوا كتاب معاوية وإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى من قرئ عليه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين من أهل البصرة ، سلام عليكم ، أما بعد ، فان سفك الدماء بغير حلها ، وقتل النفس التي حرم الله قتلها هلاك موبق وخسران مبين ، لا يقبل الله ممن سفكها صرفا ولا عدلا ( 5 ) وقد رأيتم - رحمكم الله - آثار ابن عفان وسيرته وحبه للعافية ومعدلته وسده للثغور ، وإعطاءه بالحقوق ، وإنصافه للمظلوم ، وحبه الضعيف ، حتى وثب الواثبون عليه ، وتظاهر عليه الظالمون فقتلوه مسلما محرما ظمآن صائما ، لم يسفك فيهم دما ولم يقتل منهم أحدا ، ولا يطلبونه بضربة سيف ولا سوط ، وإنما ندعوكم أيها المسلمون إلى الطلب بدمه وإلى قتال من قتله ، فانا وإياكم على أمر هدى واضح ، وسبيل مستقيم ، إنكم إن جامعتمونا طفئت النائرة ، ( 6 ) واجتمعت الكلمة ، واستقام أمر هذه الأمة ، وأقر الظالمون المتوثبون الذين قتلوا إمامهم بغير حق ، فأخذوا بجرائرهم ( 7 ) وما قدمت أيديهم ، إن لكم علي أن أعمل فيكم بالكتاب وأن أعطيكم في السنة عطاءين ، ولا أحتمل فضلا من فيئكم عنكم أبدا ، فنازعوا إلى ما تدعون إليه - رحمكم الله - وقد بعثت إليكم رجلا من الناصحين وكان من أمناء خليفتكم المظلوم ابن عفان وعماله وأعوانه على الهدى والحق ، جعلنا الله وإياكم ممن يجيب إلى الحق ويعرفه ، وينكر الباطل ويجحده ، ( والسلام عليكم ) ورحمة الله . فلما قرئ عليهم الكتاب قال عظماؤهم : سمعنا وأطعنا . عن أبي منقر الشيباني قال : قال الأحنف بن قيس لما قرئ عليهم الكتاب : أما أنا فلا ناقة لي في هذا ولا جمل واعتزل أمرهم ذلك . وقال عمرو بن مرجوم ( 8 ) من عبد قيس : أيها الناس الزموا طاعتكم ، ولا تنكثوا بيعتكم فتقع بكم واقعة وتصيبكم قارعة ، ولا تكن لكم بعدها بقية ، ألا أني قد نصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين . حدثنا ثعلبة بن عباد ( 9 ) أن الذي كان سدد لمعاوية رأيه في إرسال ابن الحضرمي كتاب كتبه إليه صحار بن عباس العبدي ( 10 ) وهو ممن كان يرى رأي عثمان ويخالف قومه في حبهم عليا ( ع ) ونصرتهم إياه . قال : فكتب إلى معاوية : أما بعد ، فقد بلغنا وقعتك بأهل مصر الذين بغوا على إمامهم وقتلوا خليفتهم ظلما وبغيا ، فقرت بذلك العيون وشفيت بذلك النفوس ، وثلجت أفئدة أقوام كانوا لقتل عثمان كارهين ، ولعدوه مفارقين ، ولكم موالين ، وبكم راضين ، فان رأيت أن تبعث إلينا أميرا طيبا زاكيا ، ذا عفاف ودين يدعو إلى الطلب بدم عثمان فعلت ، فاني لا إخال الناس إلا مجمعين عليك فان ابن عباس غائب عن الناس ، والسلام . فلما قرأ معاوية كتابه قال : لا عزمت رأيا سوى ما كتب به إلي هذا ، وكتب إليه جوابه : أما بعد ، فقد قرأت كتابك فعرفت نصيحتك ، وقبلت مشورتك ، فرحمك الله وسددك ، أثبت - هداك الله - على رأيك الرشيد ، فكأنك بالرجل الذين سالت قد أتاك ، وكأنك بالجيش قد أطل عليك ، فسررت وحييت وقبلت ، والسلام .