صدى قيام الدولة الصفوية عند الآخرين
بعد نشرنا ما كتبه مؤرخ قديم عاش أواخر عهود الدولة الصفوية ، ورأينا فيما كتبه صدى قيام هذه الدولة في نفوس الشيعة بعد ما عانوه في كل مكان من اضطهاد وترويع وقتل ، وبعد ما اضطروا إلى تحمل ( بلية التقية ) كما سماها الكاتب المؤرخ . وهي بلية أي بلية . . . بعد نشرنا ذلك وتعليقنا عليه نرى أن ننشر ما كتبه الآخرون المعاصرون لنشوء تلك الدولة ، لأن فيما كتبوه هو أيضا صدى لما في نفوسهم . وأفضل ما نأخذه هنا هو ما كتبه قطب الدين النهروالي المتقدم ذكره وهو مؤرخ عاصر الأحداث وشاهدها ، وكان لسان الآخرين المتوجسين من الدولة الجديدة الناقمين على قيامها . وما نأخذه هو ما نشره في كتابه ( الاعلام باعلام بيت الله الحرام ) . قال وهو يتحدث عن عهد السلطان العثماني بايزيد الثاني بن محمد الفاتح الذي تولى الملك سنة 886 ما نصه : وظهر في بلاد العجم في أيامه شاه إسماعيل بن الشيخ حيدر بن الشيخ جنيد الصفوي في سنة 905 ، وكان له ظهور عجيب واستيلاء على ملوك العجم يعد من الأعاجيب ، فتك في البلاد ، وسفك دماء العباد ، وأظهر مذهب الرفض والإلحاد ، وغير اعتقاد العجم إلى الانحلال والفساد بعد الصلاح والسداد ، وأخرب ممالك العجم ، وأزال من أهلها حسن الاعتقاد ، والله يفعل في ملكه ما أراد ، وتلك الفتنة باقية إلى الآن في جميع تلك البلاد . وشرح ذلك يحتاج إلى تاريخ مستقل ولا أعلم أحد تعرض له من العلماء الأمجاد . وظهر من أتباع شاه إسماعيل المذكور في بلاد الروم ( 1 ) شخص ملحد زنديق يقال له شيطان قولي ، أهلك الحرث والنسل ، وعم بالفساد والقتل ، وتبعه غواة لا تعد ولا تحصى ، وقويت شوكته وعظم به على المسلمين في ذلك القطر الفتنة والبلاء . فأرسل السلطان بايزيد وزيره الأعظم علي باشا بعسكر كبير لقتل هذا الباغي وأمده بجيش عظيم لقطع جادرة هذا الطاغي ، فاستشهد علي باشا في ذلك القتال ، وقدم بأكفان شهادته إلى الله المتعال ، وانكسر شيطان قولي المفسد التعيس ، وعسكره من جنود إبليس ، وقتل مع طائفة من أعوانه الأباليس ، وأسكن الله هذه الفتنة بعد ما طمت ، وكفى الله تعالى شر أولئك الأشرار بعد أن عظمت فتنتهم وعمت ، وذلك في سنة 915 ( 2 ) ( انتهى ) . ثم يروي النهروالي ظهور الدولة الصفوية على الشكل التالي ، فإنه بعد أن يذكر ظهور صفي الدين ثم يستمر في ذكر أحداث خلفائه حتى يصل إلى الشيخ جنيد فيقول ما نصه : ( 3 ) فلما جلس الشيخ جنيد مكان والده في الزاوية بأردبيل كثر مريدوه وأتباعه في أردبيل فتوهم منهم صاحب آذربيجان يومئذ وهو السلطان جهان شاه بن قرا يوسف التركماني من طائفة ( قره قوينلو ) فاخرجوهم من أردبيل فتوجه الشيخ جنيد مع بعض مريديه إلى ديار بكر وتفرق عنه الباقون . وكان من أمراء ديار بكر يومئذ عثمان بيك بن قتلق بيك بن علي بيك من طائفة من ( آق قوينلو ) جد أوزون حسن بك [ البابندري ] البايندرى وهو أول من تسلطن من طائفة أق قوينلو ، وولي السلطنة منهم تسعة أنفس ومدة ملكهم اثنتان وأربعون سنة وأخذوا ملك فارس من طائفة قره قوينلو ، وأول سلاطينهم قره يوسف بن قره محمد التركماني ومدة سلطنتهم ثلاث وستون سنة ، وانقرض ملكهم على يد أوزون حسن بيك المذكور ( 4 ) في شوال سنة 873 ، وكان أوزون حسن بيك ملكا شجاعا مقداما مطاعا مظفرا في حروبه ، ميمونا في نزوله وركوبه ، إلا أنه وقع بينه وبين السلطان محمد بن السلطان مراد خان حرب عظيم في بايبرت فانكسر أوزون حسن بيك وقتل ولده [ زنيل ] زينل بيك ، وهرب هو وسلم من القتل وعاد إلى آذربيجان وملك فارس والعراقين ، فلما التجأ الشيخ جنيد إلى طائفة آق قوينلو صاهره أوزون حسن بيك وزوجه بنته خديجة بيگم فولدت له الشيخ حيدر ، ولما استولى أوزون حسن بيك على البلاد وطرد عنها ملوك قره قوينلو وأضعفهم عاد الشيخ جنيد مع ولده الشيخ حيدر إلى أردبيل وكثر مريدوه وأتباعه وتقوى