أبو العلاء المعري في « سقط الزند »
وقال الدكتور حسين مروة ، كتب الباحثون كثيرا عن أبي العلاء ، وفي القديم وفي الحديث ، ونظروا إلى جوانب عديدة من حياته وأدبه وتفكيره ومعتقده ، ولكن رأيت هؤلاء الباحثين ، بالإجمال ، لا يعنون العناية اللازمة بدراسة ديوانه الذي جمع فيه جملة من أشعاره واختار له هو بنفسه اسمه المعروف « سقط الزند » ، قاصدا بهذه التسمية الشعرية المجازية أن يرمز إلى الحقيقة التي ينطوي عليها هذا الديوان ، وإلى الواقع الذي يمثله من حياته ومن شخصيته ومن أدبه . فان الزند - لغة - هو العود الذي تقتدح به النار ، وسقط الزند هو أول نار تخرج من الزند عند الاقتداح . وقد قصد المعري هذا المعنى بذاته ، لأن « سقط الزند » يجمع الكثير من شعره الذي نظمه في أوائل حياته ، فهو إذن أول تلك النار العبقرية التي اقتدحها زناد ذهنه العبقري . ولكن الأمر في هذه الأشعار لا يقتصر على هذا الظاهر السطحي من دلالة التسمية ، بل الواقع أن ديوان « سقط الزند » يصح أن يكون المدخل الحقيقي لدراسة أبي العلاء دراسة مستوعبة متوغلة في جوانب شخصيته جميعا ، وأعني أن هذا الديوان جدير بان يكون للباحثين والناقدين بمنزلة ما يسمى « مفتاح الشخصية » لمن يشاء منهم أن يستجلي شخصية أبي العلاء على حقيقتها وواقعها الأصيل . وقد يرجع أكبر السبب في أن أولئك الباحثين لم يهتموا بديوان « سقط الزند » اهتمامهم بغيره من آثار أبي العلاء ، إلى ما هو شائع عند الذين أرخوا لحياة أديبنا العظيم من القدماء ، من أن هذا الديوان إنما يجمع أشعاره التي قالها في صباه . . فقد تمسك الباحثون المحدثون بكلمة « صباه » على حرفيتها ، ولم ينظروا إلى هذه الأشعار نفسها بحيث يجدون أن الذي صدر عنه في صباه هو أقل ما يحتويه « سقط الزند » ، وأن أكثر هذه الأشعار وأروعها شاعرية وأقواها دلالة عليه إنما صدرت عنه في أعلى مراحل شبيبته ، وفي أخصب مراحل شاعريته ، وفي أدق التجارب التي عاناها في حياته قبل معتزله ، بل في أقسى هذه التجارب وأعمقها أثرا في نفسه ووجدانه وتفكيره . ولقد أبيح لنفسي أن أقول ، إن الذين أرخوا لأبي العلاء من القدماء ، قد أوهمونا أن صاحب « سقط الزند » نفسه لم يكن راضيا كل الرضا عن أشعاره التي تضمنها هذا الديوان ، فقد نقل أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي عن أستاذه أبي العلاء نفسه ما يوهم هذا المعنى ، إذ قال : « لما حضرت أبا العلاء ، قرأت عليه كثيرا من كتب اللغة ، وشيئا من تصانيفه ، فرأيته يكره أن يقرأ عليه شعره في صباه ، الملقب ب » سقط الزند « ، وكان يغير الكلمة بعد الكلمة منه إذا قرئت عليه ، ويقول معتذرا عن تابيه وامتناعه من سماع هذا الديوان : مدحت نفسي فيه ، فلا أشتهي أن أسمعه . وكان يحثني على الاشتغال بغيره من كتبه . ( 1 ) وفي رسالة كمال الدين بن العديم ، المسماة » الإنصاف والتحري في دفع الظلم والتحري عن أبي العلاء المعري « قال مؤلف الرسالة وهو يستعرض تواليف أبي العلاء : » من الأشعار التي نظمها : ديوانه المعروف « بسقط الزند » وهو ما قاله في أيام الصبا في أول عمره ، وهو من أحسن أشعاره ، وقد اعتنى به العلماء وشرحوه ، مقداره خمس عشرة كراسة ، تزيد أبياته المنظومة على ثلاثة آلاف بيت ، شرحه الخطيب التبريزي وشرحه ابن السيد البطليوسي وأحسن شرحه « . وقال ياقوت في » معجم الأدباء « ( الجزء الثالث ص 154 ) في معرض الكلام على مؤلفات أبي العلاء : » . . ومن غير هذا الجنس كتاب لطيف فيه شعر قيل في الدهر الأول يعرف بكتاب « سقط الزند » وأبياته ثلاثة آلاف « . هكذا تواترت أقوال القدماء الذين أرخوا لأبي العلاء ، حتى استقام في أذهان المحدثين أن » سقط الزند « ليس ذا شان يؤبه له في آثار المعري ما دام من نتاج صباه . . وما دام المعري نفسه لم يكن يابه لهذا الديوان ، كما توهمنا مقالة أبي زكريا التبريزي . والحقيقة أن المعري كان يحتفل لديوانه هذا احتفالا ظاهرا . يدل على ذلك أنه عني بشرح الغريب من ألفاظه وجعل هذا الشرح في كتاب خاص سماه » ضوء السقط « وقد تحدث ابن العديم عن هذا الكتاب فوصفه بأنه » يشتمل على تفسير ما جاء في سقط الزند من الغريب ، مقداره عشرون كراسة ، وضع - أي المعري - هذا الكتاب لتلميذه أبي عبد الله محمد بن