أبو محمد هشام بن سالم الجواليقي الجعفي ، العلاف الكوفي
يحيى بن زياد الفراء
مرت ترجمته في الصفحة 220 من المجلد العاشر وننشر هنا هذه الدراسة عنه مكتوبة بقلم : عبد المنعم محمد جاسم : من هو الفراء ؟ . أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء عالم لغوي فذ ، نحوي بارع ، تقي ورع ، مفسر للقرآن عظيم ، تلميذ علي بن حمزة الكسائي ، أستاذ أحمد بن يحيى ثعلب . كوفي النشأة ، معتزلي المذهب ، كوفي الرأي - في الغالب - بصري - في النادر - ، يأخذ من وجوه الاعراب أقربها للعقل ، وأحلاها للذوق ، وأسلمها للغة . لا يلجا إلى التأويل والتقعير والتعقيد والالتواء - الا نادرا - ولعل هذا النادر ناتج عن تأثره - بعض الشيء - بمنهج أصحاب الكلام . لم يعرف التاريخ عن صباه شيئا سوى ابن خالته القاضي الفقيه محمد بن الحسن الشيباني بالولاء صاحب الامام الأعظم أبي حنيفة النعمان ، وولده الشاطر صاحب السكاكين الذي لم يخلد به ذكر أبيه ، انما خلد بكتبه التي لا تحصى ، وفيض علمه الذي لم ينضب ، وشغفه بتفسير القرآن الكتاب السماوي البلاغي العظيم ، وغزارة لغته التي حوتها بطون الكتب وحفظتها أمات المصادر ، وخلدتها ضخام المجلدات على صفحاتها الطويلة . تضاربت الروايات في مولده فرواية تؤرخه بعام ( 140 ه ) وأخرى تلمح له بعام ( 144 ه ) وثالثة تشير له بعام ( 145 ه ) ورابعه تثبته بعام ( 124 ه ) . كما اختلفت في وفاته - زمانا ومكانا - فرواية تقول انه توفي في عام ( 207 ) وأخرى تذكر انه عام ( 209 ) وثالثة تنص على أنه ( 204 ) ورابعة تصرح بأنه عام ( 187 ) . ولقد رجح الدكتور احمد مكي الأنصاري عام ( 144 ه ) ميلادا له ، وعام ( 207 ) وفاة وعلى هذا يكون عمره ثلاثا وستين سنة . وهو رأي لا يتعدى الصواب . تجواله في البلدان طويل سريع ، فقد نشا في الكوفة ، وذهب إلى البصرة للعلم ، وسافر إلى بغداد للمال ، ورحل إلى مكة للحج . ناظر وحاجج وناقش . ناظر سيبويه في البصرة فبزه وفاقه ، وناقش الكسائي في بغداد فغلبه . وهذا هو الذي ميزه عن شيخه الكسائي كما قال له أبو جعفر الرواسي العالم اللغوي الكوفي الكبير « خرج الكسائي إلى بغداد وأنت أميز منه » . اتخذ من الاعتزال مذهبا قربه إلى المأمون في وقت كان للمعتزلة الباع الأطول والشأن الأعظم والمكان الأسمى . فدعاه إلى تأليف كتابه العظيم الذي أسماه « الحدود » دون لنا فيه حدود النحو جميعا . ( 1 ) ويتمثل النحو الكوفي - في أغلبه - بكتب الفراء كما يتمثل النحو البصري ب ( كتاب ) سيبويه ، إذ لم نكد نعثر على كتاب جامع مفصل يدون في طياته النحو الكوفي كما قام سيبويه بعمله الجليل حين جمع نحو البصرة في ( كتابه ) ، وهذا هو الاختلاف الحقيقي بين المدرستين ، الا أن الفراء يمثل لقطة نادرة من النحو الكوفي بعد شيخه الكسائي ويتمثل ذلك فيما وصل إلينا من آثاره الموجودة ، وفيما يتحدث لنا عن آثاره المفقودة . فكتبه ( معاني القرآن ) و ( الأيام والليالي والشهور ) و ( المذكر والمؤنث ) و ( المقصور والممدود ) تمثل لنا فيضا غزيرا من الدراسات اللغوية والنحوية والقرآنية يقدم للقارئ دررا من فرائد العربية الغوالي ، وأنماطا من كلام مرصع بالماس واللآلي تغنيه عن حوشي اللغة وغريبها وفاسد الألفاظ ورديئها تلك التي تجعل ذوق القارئ ينبو عنها ، وذهنه ينفر منها . واعترافا منا بفضل سبق البحث للباحثين المتقدمين وتفضيلا لعرض الحقيقة على نصاعتها يجدر بنا القول إن هذا الموضوع قد درسه وبحث فيه - تفصيلا لا اجمالا - باحثون فضلاء وعلماء اكفاء وأساتذة ثقات لا يرتقي الشك إليهم ومنهم الدكتور مهدي المخزومي والدكتور احمد مكي الأنصاري والدكتور إبراهيم السامرائي ، غير أن للفراء آراء أخرى مختلفة لم يتحدثوا فيها بل اكتفوا بذكر المصادر التي تجمعها ، وقد جمعت منها هذه المادة الطويلة مستعينا ببعض المصادر هي من أمات كتب النحو واللغة ، متوخيا الدقة والأمانة في البحث ، راجيا إرضاء القارئ الكريم بإضافة بعض من آراء هذا النحوي الشهير مما لم يطلع عليه .