ما ندري كيف قال المتنبي هذا البيت وباي حال ولأي غرض ، ولكن ندري أنه مهما تكن حاله ومهما تكن الظروف التي أحاطت به ، ومهما يكن الغرض الذي قصد إليه ، فلا شيء مطلقا يبرر أن يقول كلاما من هذا القبيل ، وهو الذي ملكت عليه ، في كل شعره ، نزعته العربية ، ودخلت هذه النزعة في كيانه وفي وجدانه ، ثم دخلت في تجربته الشعرية فأنضجت مواهبه وفتقت عبقريته وأخرجت من تجربته هذه ، فنا من الأدب القومي يندر نظيره في أدبنا القديم . ولكنها هفوة واحدة لا تغير شيئا من الواقع الذي كأنه المتنبي ، أعني واقع أن أبا الطيب كان أعظم شاعر عربي غنى معارك النضال العربي في زمن كان هذا النضال يحمل أثقاله فارس بني حمدان وحده في أمراء العرب وملوكهم . ولقد كان أبو الطيب يشعر بثقل المهمة التي يحملها سيف الدولة ، ويشعر مع ذلك بتقصير الآخرين من ذوي السلطان في الدولة العربية ، بل يشعر فوق ذلك بان هؤلاء لا يكتفون بالقعود عن مناصرة سيف الدولة في مناهضة الغزوات الأجنبية على حدود دولتهم ، بل يزيدون فيقلقون على سيف الدولة أمنه الداخلي ويثورون به ويصرفون كثيرا من جهده عن مقاتلة الروم إلى مقاتلتهم في داخل البلاد لاخماد الفتنة أثر الفتنة ، ولطالما ألمح المتنبي في قصائده إلى هذا الأمر ، ولطالما عرض بهؤلاء تعريض اللائم العاذل . . نسمعه في القصيدة التي يذكر فيها استنقاذ سيف الدولة لأبي وائل تغلب بن داود بن حمدان العدوي من أسر الخارجي ، وذلك سنة ثماني وثلاثين وثلاثمائة ، وكان الخارجي يطمع في الخلافة والملك ( 1 ) ومطلع القصيدة :
( 3 ) فالمتنبي هنا يدعو سيف الدولة إلى العفو عن بني كلاب ، فهم عرب من قومه ، وهم إذن عون له على أعداء العرب إذا احتفظ بهم ، ثم تهزه عروبته فيثني على شجاعة هؤلاء الثائرين ، وهم إذا كانوا قد انهزموا أمام سيف الدولة فلأنه سيف الدولة ، ولو أن غيره جاءهم لثناه عن شموسهم ضباب من غبار فرسانهم وشجعانهم . وفي سنة أربع وأربعين وثلاثمائة هجرية ، أحدث بنو عقيل وقشير وبنو العجلان وكلاب فتنة أخرى في نواحي الدولة الحمدانية ، فقضى سيف الدولة على فتنتهم ، فقال أبو الطيب في ذلك قصيدته ( 4 ) التي مطلعها :
( 5 ) وهاهنا يبدو المتنبي أكثر صراحة في هذه المسألة ، فهو يقول للثائرين إن خيل سيف الدولة حين طاردتهم منهزمين لم يحرمها الركض وراءهم راحتها ، بل كفاها مئونة قطع الجبال الشواهق في مطاردة الروم أعداء العرب ، وأن رماح سيف الدولة حين أمعنت طعنا في قلوبهم ، لم يشغلها هذا الطعن عن أن تكون مركوزة في الأرض دون عمل ، وإنما شغلها ذلك عن طعان جيش الروم أعداء الدولة العربية . ومعنى هذا ، كما يريد أن يقول المتنبي ، أن هؤلاء العابثين في الداخل ، قد صرفوا جيش سيف الدولة عن قتال أعدائهم المغيرين عليهم من الخارج ،