فترة الاستقلال
أقبل قادة العرب من كل مكان إلى دمشق بعد الجلاء التركي ، فبعضهم جاء مع فيصل كالضباط العراقيين ، والبعض الآخر توافد إليها لأنها أصبحت مقر العمل العربي ومطمح آمال العرب وقاعدة أول بقعة مستقلة في بلاد الشام وغير بلاد الشام بعد الحكم غير العربي الطويل . فكان فيها رجال العراق ورجال لبنان ورجال الساحل ورجال فلسطين ، كما كان فيها بعض من نزح إلى مصر من السوريين ، والتقى الجميع بامال ضخمة وأماني بعيدة يحسبون أن ساعة الدولة العربية الكبرى قد دنت وأنهم مؤسسوها وباعثو رفاتها . كيف لا وجيشهم العربي الزاحف من قلب الحجاز هو المنتصر حليف المنتصرين ، وملء حقائبهم وعودا مؤكدة ومواثيق وثيقة . كان العرب يعيشون تلك الأيام التي بدأت عام 1918 ثم انتهت يوم الرابع والعشرين من تموز 1920 أزهى [ يامهم ] أيامهم وأعذب أحلامهم . وكانوا في غمرة هذا الفرح لا ينظرون إلى البعيد ولا يحسبون حسابا للغدر والختل . ثم بدأت الحقائق تتجلى قليلا قليلا ، فالحاكم العربي الذي ذهب إلى بيروت ورفع علمه على صروحها عاد مطرودا من الفرنسيين ، وأنزل العلم ذليلا ! . والحكام الوطنيون الذين عينوا أنفسهم في مناطقهم الساحلية معلنين الاستقلال لم يلبثوا أياما بل ولا ساعات ، بل دحرجوا عن كراسيهم . وتقلص حجم الرقعة المستقلة حتى انحصر فيما عرف باسم المنطقة الشرقية ، وهي لا تعدو دمشق وحمص وحماه وحلب وما يتبعها وينضوي إليها ! . . ولكننا إذا نظرنا إلى العرب يوم ذاك نراهم في واقع هو أفضل ألف مرة مما صار إليه واقعهم المعنوي بعد ذلك . كان الحديث يوم ذاك عن العرب وعن القضية العربية ، والتوق كله إلى الوحدة الشاملة ، ولم يكن للاقليمية مكان ! . فهذه بقعة صغيرة من بلاد الشام أميرها ثم ملكها حجازي ( 1 ) ورئيس برلمانها لبناني متمصر ( 2 ) وقائد جيشها عراقي ( 3 ) ووزير داخليتها لبناني ( 4 ) ووزير خارجيتها فلسطيني ( 5 ) وحكام مناطقها وضباط جيشها مزيج من كل أرض عربية ، لا يدور بخلد أحد أن يسال أحدا عن بلده أو أن يجد في ذلك موضعا لاستغراب ومكانا لتساؤل ! أليس الجميع عربا ؟ أليسوا كلهم رجال قضية واحدة ، فهم جميعا في أرضهم وجزء من وطنهم . ثم هذا الترفع عن الطائفيات وعدم النظر إلى دين الشخص ومذهبه . فهذه أول حكومة عربية تقوم في البلد الإسلامي العريق دمشق وتشمل . سيادتها الأرض السورية الداخلية التي لا يبلغ فيها المسيحيون ( 1 ) من ( 12 ) فتتكون من حاكم عسكري مسلم دمشقي هو رضا الركابي ورئيس للشورى الحربية مسلم بغدادي هو ياسين الهاشمي ، ورئيس للعدلية مسيحي لبناني من دير القمر هو إسكندر عمون ، ورئيس للمالية مسيحي لبناني من الشويفات هو سعيد شقير ، ورئيس للأمن العام مسيحي من طرابلس هو جبرائيل حداد ، ورئيس للخارجية مسيحي دمشقي هو توفيق شامية ، ورئيس للصحة مسيحي لبناني من مواليد عبيه هو موصلي باشا . خمس رئاسات أو بالأحرى خمس وزارات ( 6 ) من سبع يشغلها مسيحيون ، أربعة منهم من لبنان وواحد من دمشق . ومحكمة الاستئناف المدنية التي تطبق مجلة الأحكام العدلية المستمدة من الشريعة الإسلامية ، محكمة الاستئناف هذه تتالف من ثلاثة قضاة كلهم مسيحيون بينهم اثنان من لبنان هم : نجيب الأميوني من حاصبيا رئيسا وأسعد أبو شعر من دمشق عضوا وفائز الخوري من الكفير ( لبنان ) عضوا . كان سعيد حيدر في صميم هذا المعترك الاستقلالي العربي ، ومن أكثر العاملين فيه نشاطا وحماسة ، لذلك كان موضع غضب الفرنسيين ونقمتهم بعد دخولهم دمشق فحكموا عليه بالاعدام فاضطر للتواري زمنا ، ثم عاد مع العائدين كما قدمنا في أول البحث . عاد ولكنه لم يعد ساكنا بل عاد حاملا معه ثورته ، مخططا للنضال المستقبلي كما سنرى فيما يلي من القول . وبدأ كفاحه في جريدة المفيد ثم في حزب الشعب ، ثم في إشعال الثورة السورية ، وهذا ما نستعرضه بايجاز في البحث الآتي :