ومنها أنه كان لا يوفي الملك صلاح الدين بن أيوب ما ( له ) من الألقاب . وكان صلاح الدين هو الذي أزال الدولة العبيدية ( الفاطمية ) من مصر وخطب للخليفة الناصر بالخلافة هناك فيقال إن بعض رسله إلى دار الخلافة لما أنهى ما جاء لأجله قال : عندي رسالة أمرت أن لا أؤديها إلا مشافهة في خلوة . فلما خلا به قال : العبد يوسف بن أيوب يقبل الأرض ويقول : تعزل الوزير ابن مهدي وإلا فعندي باب مقفل خلفه قريب من أربعين رجلا ، أخرج واحدا منهم وأدعو له بالخلافة في ديار مصر والشام . فكان هذا سبب عزل الوزير . ( 2 ) وكان ( نصير الدين ) جبارا مهيبا وجد ذات يوم رقعة في دواته واستعبرها ولم يعلم من طرحها فإذا فيها شعر :
فقامت عليه القيامة ، فاجتهد فلم يعرف من ألقاها « ( 3 ) وقال ابن الأثير في حوادث سنة 592 : « وفي شوال منها أثبت نصير الدين ناصر بن مهدي العلوي الرازي في الوزارة » والصحيح نيابة الوزارة ألا تراه قال في حوادث سنة 604 في خبر عزله : « كان هذا نصير الدين ناصر بن مهدي العلوي من أهل الري من بيت كبير فقدم بغداد لما ملك مؤيد الدين ابن القصاب وزير الخليفة الري ولقي من الخليفة قبولا فجعله نائب الوزارة ثم جعله وزيرا » . ثم إن هذا مخالف للتاريخ قال ابن الساعي في حوادث سنة 597 : « وفي تاسع عشر صفر خلع على نصير الدين أبي الحسن ناصر بن مهدي العلوي الرازي وولي نيابة الوزارة وركب إلى الديوان العزيز وجلس ( 4 ) به ونفذ المراسم الشريفة الناصرية ووقع إلى الأطراف » وقال في حوادث السنة المذكورة : « وفي خامس ذي القعدة خرج نصير الدين ناصر بن مهدي المذكور وخرج معه الأمير طاشتكين لاستعراض العساكر وكان على عزم التوجه إلى اليمن لمحاربة إسماعيل ابن سيف الإسلام طغدكين لأنه ادعى أنه أموي وسمى نفسه خليفة فأغناهم الله عن قصده وقصمه وطهر البلاد منه » . وقال في حوادث سنة 602 : « وفي ثاني عشر جمادى الأولى منها أشهد الامام الناصر لدين الله - رضي الله عنه - على نفسه الشريفة بالوكالة الجامعة للوزير نصير الدين ناصر بن مهدي ، العدلين أبا منصور ابن الرزاز وأبا نصر بن زهير » وقال : فيها : « وفي ثامن ذي الحجة من السنة خلع على نائب الوزارة نصير الدين ناصر بن مهدي بباب الحجرة الشريفة خلع الوزارة وخرج راكبا من هناك وجميع أرباب الدولة بين يديه رجالة وكذلك الأمراء إلى الديوان العزيز وجلس في دست الوزارة وكتب إنهاء وعرضه فبرز الجواب عنه على يد الأستاذ تاج الدين رشيق القادم الخاص فقرأه على الحاضرين وعاد إلى داره » ثم قال في سنة 604 : « وفي يوم السبت ثاني عشري جمادى الآخرة من سنة أربع وستمائة المذكورة عزل الوزير نصير الدين أبو الحسن ناصر بن مهدي العلوي ، حضر عنده ليلا من شافهه بالعزل وأغلق بابه وضرب له الطبل في تلك الليلة بالرحبة جريا على عادته واحتيط على داره وأبوابه وكذلك دار ولده ركن الدين محمد المقدم ، ذكر عزله ( عن صدرية المخزن ) ثم نقل هو وأولاده إلى دار بالصاغة من دار الخلافة المعظمة ونقل معه أمواله وأسبابه جميعها وجعل معه غلمان من رجال الدار العزيزة يحفظونه » . وقال ابن الأثير في حوادث سنة 604 تحت عنوان ( ذكر عزل الوزير نصير الدين وزير الخليفة ) وقد نقلنا بعضه آنفا : « فلما كان في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة عزل وأغلق بابه وكان سبب عزله أنه أساء السيرة مع أكابر مماليك الخليفة فمنهم أمير الحاج مظفر الدين سنقر وجه السبع ( 5 ) فإنه هرب من يديه إلى الشام سنة ثلاث وستمائة ، فارق الحاج بالمرجوم وأرسل يعتذر ويقول : إن الوزير يريد أن لا يبقى في خدمة الخليفة أحد من مماليكه ولا شك أنه يريد أن يدعي الخلافة . وقال الناس في ذلك فأكثروا وقالوا الشعر فمن ذلك قول بعضهم :
( 6 ) . . . فعزله ، وقيل في سبب ذلك غيره ولما عزل أرسل إلى الخليفة يقول : إنني قدمت إلى هاهنا وليس لي دينار ولا درهم ، وقد حصل لي من الأموال والاعلاق النفيسة وغير ذلك ما يزيد على خمسمائة ألف دينار . ( 7 ) ويسال أن يؤخذ منه الجميع ويمكن من المقام بالمشهد أسوة ببعض العلويين ، فأجابه ( الخليفة الناصر : إننا ما أنعمنا عليك بشيء فنوينا إعادته ولو كان ملء الأرض ذهبا ، ونفسك في أمان الله وأماننا ولم يبلغنا عنك ما يستوجب به ذلك ، غير أن الأعداء قد أكثروا فيك ، فاختر لنفسك موضعا تنتقل إليه موقرا ( 8 ) محترما . فاختار أن يكون تحت الاستظهار من