محمد بن إدريس الحلي
ذكر في المجلد التاسع الصفحة 120 ونزيد هنا ما ترجمه به صاحب كتاب ( تاريخ الحلة ) قال : كان أصوليا بحتا ومجتهدا صرفا ، له اثر كبير في تاريخ الفقه الشيعي ، فقد ثار في وجه السائد بين فقهاء عصره من العمل بخبر الآحاد ، وفتح باب الطعن على الشيخ أبي جعفر الطوسي جده من قبل الأم ، وندد بأقواله ، وابدى من الجرأة الفكرية تجاه فقهاء عصره امرا عجيبا فتعرض بذلك لسهام نقدهم ، ولم يثنه كل ذلك عن عزمه ، وكان يقصد من تلك المناوأة فتح باب الاجتهاد ، فقد كاد أن يقضى على روح الاجتهاد ولم يبق منه الا رمق . فان الفقهاء من بعد عصر الشيخ الطوسي كاد أن يتلاشى منهم روح الاستنباط والاجتهاد والتفريع ، ذلك لاعتقادهم بالشيخ الطوسي وحسن ظنهم به . تأمل ما قاله السيد رضي الدين بن طاوس في كتابه ( البهجة لثمرة المهجة ) قال : « أخبرني جدي الصالح ورام بن أبي فراس ان سديد الدين محمودا الحمصي حدثه أنه لم يبق للامامية مفت على التحقيق ، بل كلهم حاك . ثم قال السيد عقيب هذا الكلام : فقد ظهر لك الآن ان الذي يفتى به ويجاب على سبيل ما حفظ » . وقد أكثر فقهاء عصر ابن إدريس ومن تأخر عنهم الطعن في أقواله ، وممن طعن فيه سديد الدين الحمصي ، قال فيه : أنه مخلط لا يعتمد على تصنيفه ( 1 ) والمحقق الحلي ، والعلامة الحلي ويعبر عنه في بعض مصنفاته بالشاب المترف . ( 2 ) قال فيه صاحب أمل الآمل : « وقد اثنى عليه المتأخرون ، وعلى كتابه السرائر ، وعلى ما رواه في آخره من كتب المتقدمين وأصولهم » . وقال فيه الحسن بن داود الحلي في كتابه الرجال : « أنه كان شيخ الفقهاء بالحلة ، متقنا للعلوم كثير التصانيف لكنه اعرض عن اخبار أهل البيت بالكلية » . وقال فيه صاحب لؤلؤة البحرين : « هو أول من فتح باب الطعن على الشيخ الطوسي ، والا فكل من كان في عصر الشيخ أو من بعده انما كان يحذو حذوه غالبا إلى أن انتهت النوبة إليه » . يروي ابن إدريس عن عربي بن مسافر والحسن بن رطبة السوراوي وأبي المكارم حمزة الحسيني ، ويروي بالواسطة عن خاله أبي علي ابن الشيخ أبي جعفر الطوسي ، وعن أم أمه بنت مسعود بن ورام ، وكانت امرأة صالحة فاضلة مجازة بالرواية . ثم يقول صاحب « تاريخ الحلة » : ذكر أرباب التراجم أن أم الشيخ ابن إدريس كانت بنت الشيخ الطوسي وانها كانت مجازة من قبل أبيها ، وان ولدها صاحب الترجمة كان يروي عنها ، وهذا لا يستقيم فان الزمن الذي كان بين وفاة الشيخ الطوسي وولادة المترجم له نيفا وثمانين سنة . ولكن يمكن أن تكون أمه بنت بنت الشيخ الطوسي « انتهى » وقال السيد مهدي الروحاني : اثرت عظمة الشيخ أبو جعفر الطوسي وكثرة تلاميذه من الكبار والصغار في أن لا يتجرؤوا على مخالفته في فتاواه مدة من الزمن . فظهر ابن إدريس الحلي رحمه الله صاحب كتاب السرائر فناقش الشيخ الطوسي في عدة من فتاواه وقسم الفقهاء بعد الشيخ إلى محصلين واتباع ويسميهم بالمقلدة ، وهذا وإن كان فيه بعض الإغراق الا أنه كان لثورته هذه اثر جيد ، وذلك لأن الفقهاء بعد ابن إدريس وان لم يتبعوا آراءه خصوصا في رأيه الأصولي الذي يقول بعدم حجية الخبر الواحد ، ولكنه جعلهم مستقلي الرأي والنظر يكثرون من التأمل في الأدلة ، وبذلك كله نضج الفقه فقه أهل البيت ع بما فيه من المأثورات الكثيرة وبما فيه من المسائل المجمع عليها وما هو غير مجمع عليه فظهر الصحيح من الروايات وغيرها في الأغلب .