علي رضا عباسي
بقلم : محمد عباس عبد الوهاب كان رضا مصورا مشهودا له بالبراعة ، وقد ظل اسمه وآثاره الفنية في طي النسيان ، ولم تعلم سيرته كما يجب إلا في العصر الحديث ، حيث عكف مشاهير المستشرقين الألمان أمثال ساره وميتوخ وغيرهما من مؤرخي الفنون على دراسة حياته ، والكشف عن مواهبه . ورضا من الفنانين الذين عاشوا في أيام الشاه عباس الأكبر من سنة ( 985 - 1038 ه ) ، تلك الفترة التي عرفت بالعصر الذهبي للدولة الصفوية في إيران ، إذ كان الشاه محبا للفن مشجعا للفنانين ، ويقال : إنه أسس في أصفهان - عاصمة ملكه - معهدا للتصوير ، كان يؤمه المصورون والخطاطون والمذهبون ، فنشأت بذلك مدرسة جديدة للتصوير ( 1 ) هي « المدرسة الصفوية الثانية » . وبنى الشاه عباس قصورا في أصفهان ، منها قصرا : « جهل ستون » ، و « عالي قاپو » . وقد وصف الرحالة الأوروبيون في القرن السادس عشر الميلادي جمال هذه القصور وجمال نقوشها وزخارفها وصورها البديعة التي منها مجموعات كبيرة من الرسوم الحائطية بالألوان المائية على الجص أو باللاكية ، وقد استقدم بعض المصورين الأوروبيين ، فعلموا إلى جانب الوطنيين في تصويرها على الطراز الإيراني والأوروبي ، ولهذا تأثر التصوير الإيراني في عهده تأثرا قويا بالتصوير الأوروبي . ( 2 ) وقد كشف عن هذه الصور حديثا ، فأحدثت ضجة كبيرة في الأوساط الفنية وكان « جهل ستون » قد أحرق في أواخر القرن السابع عشر الميلادي ، فكانت الصور تالفة من جراء الرطوبة وتراب الحريق ودخانه ، ولكن أمكن تنظيفها وإعادتها إلى الكثير من سالف رونقها ، فأمكنت دراستها ودراسة خصائصها . ويعتبر « رضا » من أعلام مصورى المدرسة الصفوية الثانية ، بل هو صاحبها ، فإليه يرجع الفضل الأكبر في خلق أسلوب جديد للتصوير في إيران بعد به بعدا تاما عن تقاليد العصور السابقة في هذا الفن ، إذ تحرر من قيود اللون والزخرفة ، كما تحرر من ملء الفراغ وكثرة المناظر والأشخاص ، مما كان يتميز بهما التصوير الإيراني ، وبذلك خلق أسلوبا يعلوه طابع جديد هو إظهار الفراغ والموضوع في جو من الرقة والبساطة . ويجدر بنا أن نلقى ضوءا على حياة هذا الفنان قبل أن نتعرض لدراسة فنه ، فحياة الفنان هي المؤثر الأول الذي يوجهه ويطبع إنتاجه بفلسفة خاصة به ، هذا إلى جانب روح العصر ذاته ، فان لها أثرا أيضا في هذا التوجيه . ولد رضا في مدينة تبريز ، وأصل اسمه « علي رضا » ، وقد جاء إلى أصفهان في عنفوان شبابه ، وترعرع في بيئة ذواقة للفنون ، ولذلك نشا مقبلا عليها : فأبوه « علي أصغر » كان رساما مشهورا في مكتبة الشاه إسماعيل . ويقول إسكندر منشي في تاريخ العصر الصفوي فيما بين سنتي 1501 و 1629 م : إن رضا قد اشتغل في تصوير قصور الشاه منذ أن كان كبير مساعدي « مظفر على » ( 3 ) ثم احتل المكانة الأولى من بعده ، وإنه أصبح أعجوبة عصره في التصوير وفي رسم لوحات الأشخاص الفردية Single Figures ، وبالرغم من رقة لمساته فإنه لم يكن رقيق الطبع ، فقد كان يمارس ألعاب القوى ، دائم الاتصال بالأندية الرياضية وأندية المصارعة ، لذلك اصطبغ بطابعهم ( 4 ) ، كما أنه قطع شطرا طويلا من حياته غير محمود السيرة ، وكان في ذلك الوقت قليل العناية بفنه ، إذ كان حاد المزاج يميل إلى الوحدة وعدم مخالطة المجتمعات ، فلم يكن فنه معبرا عن شيء إلا عن مناظر الشراب والمنادمة ، ولهذا كان قليل الإنتاج في شبابه . ثم التحق بخدمة البلاط ، فحسنت سيرته ، وزاد إنتاجه ، وكان موضع عناية الشاه ، لذلك لقب « شاه نواز » أي مدلل الملك ، ومنذ ذلك الحين أضاف إلى اسمه لقب « عباسي » نسبة إلى الشاه ، وأخذ يرسم الشاه في مجالسه