وكم ابدى تشيعه غوي
لأجل تنسب ببلاد قم
ومعلوم ان الشيعة يعتبرون يوم ( غدير خم ) ، وهو اليوم الذي خطب فيه النبي ( ص ) بعد عودته من حجة الوداع خطبته الشهيرة التي قال فيها : « من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه » وهو اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة - معلوم ان الشيعة يسمون هذا اليوم ( عيد الغدير ) ويحتفلون به ، وأبو العلاء يذكره هنا مقرونا بعيدي الفطر والأضحى ، اي يعتبره عيدا اعتبار الشيعة له ، وليس من دلالة على تشيع أبي العلاء أوضح من هذه الدلالة . ( انتهى ) وبعد هذا نأخذ مما كتبه الدكتور حسين مروة في دراساته عن أبي العلاء لا سيما عن ديوانه ( سقط الزند ) ما هذا نصه :
هل خلا أدب « سقط » الزند من الأدب القومي ؟ كان أبو العلاء مفكرا انسانيا يتأبى النزعة القومية ويرفض « التضييق » على نزعته الإنسانية بان « يحدها » اطار من النظر الخاص إلى نسبته العربية ؟
لا بد أن يرد مثل هذا السؤال على أذهاننا ، ولا بد ان نقارن أبا العلاء بصاحبه أبي الطيب الذي نفح عروبته بقصائد ذات صيت معروف ، ثم نسأل : أكان لتلك الصحبة الروحية الحميمة بين أبي العلاء وشعر أبي الطيب اثر ظاهر في شيء من أدب شاعر المعرة ؟
اما في « اللزوميات » فقد يكون البحث عن هذا بحثا لا يجدي ولا يثمر ، إذا كان القصد ان نعثر فيه على كلام مباشر يتحدث عن شان خاص بالعرب ، من حيث علاقته بهم وعلاقتهم به ، أو من حيث موقفهم السياسي أو العسكري من أعدائهم والطامعين في بلادهم أو في موقف أعدائهم منهم .
ولكن سنجد في « اللزوميات » افكارا وآراء كثيرة تتسم بالطابع الفكري النظري وهي ذات مقاصد سياسية واجتماعية متاثرة بجوهر الأوضاع السياسية والاجتماعية التي كانت تسود المجتمع العربي الإسلامي في عهده ، وكانت الدولة العربية الإسلامية ، بوجه عام ، مصدر الكثير من هذه الأوضاع . انه يتحدث هناك عن الرؤساء والأمراء إذ يراهم يعدون على « الرعية » ، وهم اجراؤها ، ويتحدث عن مظاهر الفساد والاضطراب في مختلف مناحي الحياة العربية يومئذ ، ويتحدث عن المظالم الاجتماعية تصيب فئات المجتمع الضعفاء ، وعن سوء توزيع الحظوظ بين الناس ، إلى غير ذلك من الانعكاسات الحقيقية الصادقة عن أوضاع المجتمع والدولة في شعر « اللزوميات » كما يعرف الجميع .
ولكن ، ما إلى هذا النوع قصدت ، حين وضعت السؤال بأمر الشعر القومي في أدب أبي العلاء . بل قصدت إلى وجه آخر من هذا الأمر ، حيث يبدو الشاعر وكان إحساسا ينبع من وجدانه الشاعري فيهز ملكاته وأدواته الفنية للتعبير عن عاطفة الاعتزاز بقومه : بتقاليدهم ، بمفاخرهم ، بشمائل معينة من أخلاقهم ، بوقائع معروفة من فعالهم ، بمزايا مأثورة من مزاياهم وخصائص تاريخهم . . هل في شعر « سقط الزند » شيء من هذا ؟
نعم ، وهنا لنا فارق جديد بين « سقط الزند » و « اللزوميات » ، أو بين المعري في مرحلتيه : الأولى والثانية :
نقرأ قصيدته التي مطلعها :
هو الهجر حتى ما يلم خيال
وبعض صدود الزائرين وصال
وعجيب ان المعري يخرج من المطلع هذا ، ليدخل رأسا إلى موضوع القصيدة ، دون أن يستنفد شيئا من طاقته في ما عودنا إياه من تقديم الغزل والنسيب ووصف المسير والإبل والفيافي ومشاق الاسفار وظلمات الليالي وعصف الرياح ومشاهد النجوم ووهج السيوف واكتظاظ الرماح ، إلى نهاية السلسلة . . ينتقل من المطلع رأسا ، وهو طافح العنان ، إلى حديث هذا الفتى العربي الذي « تقصر الابصار عن قسماته » وتقوم الهيبة والجلال يسترانه دون كل ستر يمنع النظر إليه ، ونحن لا نعرف من هو هذا الفتى المهيب ، ولكننا نعرف انه قائد معركة دارت في « حارم » من شمال سوريا ، وأن المعركة كانت على الثغور بين جيشه وجيش الروم الذي اعتاد أن يغزو بلاد العرب على تلك الحدود ، ويهيجنا الشاعر لأن نصغي ونرى كيف يجيش على الخيل التي يقودها الفتى العربي بحر من الكتائب ، وتخر إليها الشهب وهي نصال ، وكيف يترامى إلى المعركة :
فوارس قوالون للخيل أقدمي
وليس على غير الرؤس مجال
لهم أسف يزداد اثر الذي مضى
من الدهر سلما ليس فيه قتال
بأيديهم السمر العوالي كأنما
يشب على أطرافهن ذبال
( 1 ) وبعد قليل نرى الشاعر ، في انقض الحماسي ، وقد انقض على جماعة الروم الغزاة ، حين تصورهم في غمرة الذعر وشدة المحنة عند لقاء الكتائب اليعربية ، فإذا هو يجهز عليهم بهذا الهدير :
بني الغدر ، هل ألفيتم الحرب مرة
وهل كف طعن عنكم ونضال
وهل أطلعت سحم الليالي عليكم
وما حان من شمس النهار زوال « 2 »
وهل طلعت شعث النواصي عوابسا
رعال ترامى خلفهن رعال « 3 »
لها عدد كالرمل المبر على الحصا
ولكنها عند اللقاء جبال « 4 »
فان تسلموا من سورة الحرب مرة
وتعصمكم شم الأنوف طوال « 5 »
ففي كل يوم غارة مشمعلة
وفي كل عام غزوة ونزال « 6 »
خذوا الآن ما يأتيكم بعد هذه
ولا تحسبوا ذا العام ، فهو مثال
ونجري سراعا مع الشاعر ، لكي نرى خيل الكتائب العربية ، وهن :
يردن دماء الروم ، وهي غريضة
ويتركن ورد الماء ، وهو زلال « 7 »
تجاوزه بالوثب كل طمرة
تمازج في فيها دم ورؤال « 8 »
تدانت به الأقران ، حتى تجاثات
كان قتال الفيلقين جدال « 9 »
وقد علم الرومي انك حتفه
على أن بعض الموقنين يخال
فما كبروا حتى يكونوا فريسة
ولا بلغوا ان يقصدوا فينالوا
ونجول جولة ثانية في « سقط الزند » ، فإذا بنا نقف دهشين أمام هذا المستهل يفجؤنا منه هذا الصدى المتجاوب المرنان :
هامش
( 1 ) الذبال : جمع ذبالة ، وهي الفتيلة المشعلة .