الكلمات الموضوعة للدلالة على القدر الذي يستحضره ما يجب فيها ، وهو قصد الفعل ونيّة الاستباحة للصلاة ، أعني طلب رفع المنع من الصلاة المستندة إلى الحدث . وفي حكم استباحة الصلاة استباحة ما تتوقّف استباحته على الطهارة كالطواف ومسّ القرآن . وتعليل الفعل بكونه يوقعه لوجوبه والتقرّب به إلى اللَّه تعالى ، بمعنى موافقة إرادته ، أو طلب الرفعة عنده بواسطة نيل الثواب ، تشبيها بالقرب المكاني . وآثر هذه الصيغة لورودها في الكتاب والسنّة كثيرا ، كقوله تعالى : « ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ الله وصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ » ( 1 ) وقوله في الحديث القدسي : « ما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالصلاة حتى أحبّه » ( 2 ) ، وقوله عليه السّلام : « أقرب ما يكون العبد إلى ربّه وهو ساجد » . ( 3 ) . وحقيقة النيّة من جميع ذلك هو القصد إلى الفعل ، واعتبرت نيّة الاستباحة والوجه لأنّ الامتثال في العبادة إنّما يتحقّق بإيقاعها على الوجه المطلوب ، ولا يتحقّق ذلك الوجه في الفعل المأتيّ به إلَّا بالنيّة لقوله تعالى : « إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ » ( 4 ) ، أي لأجلها ، وفيه نظر حرّرناه في شرح الإرشاد ( 5 ) . وأما نيّة التقرّب فلا ريب في اعتبارها ، وقد قال سبحانه : « وما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ » ( 6 ) ، ولا يتحقّق الإخلاص إلَّا بها . وهذا الكلام وإن كان عن أهل الكتاب ، لكنه ثابت في حقّنا لقوله تعالى : « وذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ » ( 7 ) ، أي المستمرة في جهة الصواب ، كما ذكره المفسّرون ( 8 ) ، فلا يصح
المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية — صفحة 81
مساهمون: الشهيد الثاني
ص٨١
هامش
( 1 ) التوبة : 99 .
( 2 ) فتح الباري 11 : 341 ، الفرق للقرافي 2 : 130 .
( 3 ) سنن أبي داود 1 : 545 / 875 ، مسند أحمد 2 : 421 ، سنن النسائي 2 : 226 .
( 4 ) المائدة : 6 .
( 5 ) روض الجنان : 28 .
( 6 ) البيّنة : 5 .
( 7 ) البيّنة : 5 .
( 8 ) التبيان 1 : 389 - 390 ، مجمع البيان 10 : 522 - 523 .