تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠

إن هذا المال للسلطان والجند ، ومتى لم تأت به أو بالذي نقبه وأخذ المال ألزمك أمير المؤمنين غرمه ، فجدَّ في طلبه ، وطلب اللص الذي جسَر على هذا الفعل ، فصار إلى مجلسه ، وأحضر التوابين والشرط ، والتوابون : هم شيوخ أنواع اللصوص الذين قد كبروا وتابوا ، فإذا جرت حادثة علموا من فِعل من هي ، فدلوا عليه ، وربما يتقاسمون اللصوص ما سرقوه ، فتقدم إليهم في الطلب ، وتهددهم ، وأوعدهم ، وطالبهم ، فتفرق القوم في الدروب والأسواق والغرف والمواخير ودكاكين الرواسين ودور القمار ، فما لبثوا أن أحضروا رجلًا نحيفاً ضعيف الجسم رث الكسوة هين ( 1 ) الحالة ، فقالوا : يا سيدي ، هذا صاحب الفعلة وهو غريب من غير هذا البلد ، وأطبق القوم ( 2 ) كلهم على أنه صاحب النقب ولص المال ، فأقبل عليه مؤنس العجلي فقال له : ويلك ! ! من كان معك ؟ ومن أعانك ؟ وأين أصحابك ؟ ما أظنك تقدر على عشر بدر وحدك في ليلة ، ما كنتم إلا عشرة وأقل ذلك خمسة ، فأقر لي بالمال إن كان مجتمعاً ، وعلى أصحابك إن كان المال قد قسم ، فما زاده على الإنكار شيئاً ، فأقبل يترفق به ويَعِدُه أن يثيبه ويرزقه ويعظم جائزته ، ويعده بكل جميل على رده والإقرار به ، ويتوعَّدُه بكل مكروه وهو على جحوده وإنكاره ، فلما غاظه ذلك وأنكره ويئس من إقراره أخذ في عقوبته ومساءلته ، فضربه بالسوط والقلوس والمقارع والدرة على ظهره وبطنه وقفاه ورأسه وأسفل رجليه وكعابه وعَضَله ، حتى لم يكن للضرب فيه موضع ، وبلغ به ذلك إلى حالة لا يعقل فيها ولا ينطق ، فلم يقر بشيء ، فبلغ ذلك المعتضد ، فأحضر صاحب الجيش ( 3 ) ، فقال له : ما صنعت في المال ؟ فأخبره الخبر ، فقال له : ويلك ! ! تأخذ لصاً قد سرق من بيت المال عشر بِدَر فتبلغ به الموت والتلف حتى يهلك الرجل ويضيع المال ، فأين حيل الرجال ؟

هامش
( 1 ) في نسخة : بين الحالة .
( 2 ) في نسخة : واتفق القوم كلهم .
( 3 ) في نسخة : صاحب الحرس .