نزاهة وديانة ، قال : فهل تحفظ في ذلك شعراً ؟ قال : نعم ، أما سمعت قول مرة بن ذهل بن شيبان حيث يقول :
إن السيادة والمروءة عُلِّقَا
حيث السماء من السماك الأعزل
وإذا تقابل مُجرِيانِ لغاية
عثر الهجين وأسلمته الأرجل
ويجي الصريح مع العتاق معوداً
قرب الجياد فلم يجئه الأفكل
في أبيات ، فقال له ابن عباس : لو أن رجلًا ضرب آباط إبله مشرقاً ومغرباً لفائدة هذه الأبيات ما عنفته ، إنا منك يا ابن صوحان لعلى علم وحكم واستنباط ما قد عفا من أخبار العرب ، فمن الحكيم فيكم ؟ قال : من ملك غضبه فلم يعجل ، وسعى اليه بحق أو باطل فلم يقبل ، ووجد قاتل أبيه وأخيه فصفح ولم يقتل ، ذلك الحكيم يا ابن عباس ، قال : فهل تجد ذلك فيكم كثيراً ؟ قال : ولا قليلا ، وإنما وصفت لك أقواماً لا تجدهم إلا خاشعين راهبين لله مريدين ينيلون ولا ينالون ، فأما الآخرون فإنهم سبق جهلهم حلمهم ، ولا يبالي أحدهم إذا ظفر ببغيته حين الحفيظة ما كان بعد أن يدرك زعمه ويقضي بغيته ، ولو وتره أبوه لقتل أباه ، أو أخوه لقتل أخاه ، أما سمعت إلى قول - زبان بن عمرو بن زبان ، وذلك أن عمراً أباه قتله مالك بن كومة ، فأقام زبان زماناً ، ثم غزا مالكا ، فأتاه في مائتي فارس صباحاً وهو في أربعين بيتاً فقتله ، وقتل أصحابه وقتل عمه فيمن قتل ، ويقال : بل كان أخاه ، وذلك أنه كان جاورهم ، فقيل لزبان في ذلك : قتلت صاحبنا ، فقال :
فلو أمي ثقَفْتُ بحيث كانوا
لبلَّ ثيابها عَلَقٌ صبيب
ولو كانت أمية أخت عمرو
بهذا الماء ظلَّ لها نحيب
شهرت السيف في الأدْنَين مني
ولم تعطف أو اصرنا قلوب