تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩

بحاجتك ، قال أخبر أمير المؤمنين أن مصائب الدهر وأعاجيب الأيام ومحن الزمان قصدتني فأخذت مني ما كانت الدنيا أعطتني ، فلم تبق لي ضيعة إلا خربت ، ولا نهر إلا اندقر ( 1 ) ، ولا منزل إلا تهدَّمَ ، ولا مال إلا ذهب ، وقد أصبحْتُ لا أملك سَبَداً ولا لَبَداً ، وعليَّ دَيْن كثير ، ولي عيال وأطفال وصبية صغار ، وأنا شيخ كبير ، قد قعدت بي المطالب ، وكبرت عني المكاسب ، وبي حاجة إلى نظر أمير المؤمنين وعطفه ، قال فبينما هو في الكلام إذ ضَرَطَ ، فقال : وهذا يا أمير المؤمنين من عجائب الدهر ومحنته ، ولا والله ما ظهر مني قط إلا في موضعه ، فقال المأمون لجلسائه : ما رأيت قط أقوى قلباً ولا أرْبطَ جأشاً ولا أشد نفساً من هذا الرجل ، ثم أمر له بخمسين ألف درهم مُعجَّلة . المأمون وأبو العتاهية : قال أبو العتاهية : وَجَّه إليَّ المأمون يوماً فصِرْتُ إليه فألفيته مطرقاً متفكراً مغموما ، فأحجمت عن الدنو إليه وهو على تلك الحال ، فرفع رأسه وأشار بيده أن ادْنُ ، فدنوت ، فأطرق مليا ثم رفع رأسه فقال : يا إسماعيل ، شأن النفس الملل ، وحب الاستطراف ، والأنس بالوحدة ، كما نأنس بالألفة ، قلت أجل يا أمير المؤمنين ، ولي في هذا بيت شعر ، قال : وما هو ؟ قلت :

لا يُصْلح النفس إذ كانت مصرفة إلا التنقُّلُ من حال إلى حال
قال : أحسنت زدني ، فقلت : لا أقدر على ذلك ، وآنسته بقية يومه ، وأمر لي بمال ، فانصرفت . المأمون ورجل عامي : ويحكى أن المأمون أمر بعض خواصِّه من خدمه أن يخرج فلا يرى أحداً في الطريق إلا أتى به كائناً من كان من رفيع أو خسيس ، فأتاه برجل من العامة ، فدخل وعنده المعتصم أخوه ويحيى بن أكثم
هامش
( 1 ) في نسخة : الا أبدى .