جماعة ممن يظهر الإسلام ، واعتلُّوا بدلائل من القرآن والسنن ودلائل القياس عند أنفسهم . من ذلك قوله عز وجل : ( يأتيها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) قالوا : فالرجوع إلى الحال لا يكون إلا بعد كون متقدم ، ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه سعيد بن أبي مريم قال : أخبرنا يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف » .
وذهب إلى هذا القول جماعة من الأعراب ، ففي ذلك يقول جميل بن عبد الله بن مَعْمَر العذري في بثينة :
تعلَّقَ روحي رُوحَهَا قبل خلقنا
ومن قبل ما كُنَّا نِطَافاً ، وفي المهدي
فزاد كما زدنا ، فأصبح ناميا
وليس وإن مُتْنَا بمنتقض العهد
ولكنه باقٍ على كل حالة
وزائرنا في ظلمة القبر واللحد
وقال جالينوس : المحبة تقع بين العاقلين لتشاكلهما في العقل ، ولا تقع بين الأحمقين وإن كانا شكلين في الحمق ، لأن العقل يجري على ترتيبٍ فيجوز أن يتفق فيه اثنان على طريق واحدة ، والحمق لا يجري على ترتيبٍ : ولا يجوز أن يتفق فيه اثنان .
وقَسَّمَ بعض العرب الهوى فقال :
ثلاثة أَحبَاب فحبُّ علاقَةٌ
وحُبُّ تِمِلَّاقٌ ، وحبٌّ هو القتل
وقال الصوفية من البغداديين : إن الله عز وجل إنما امتحن الناس بالهوى ليأخذوا أنفسهم بطاعة من يهوونه ، ليشق عليهم سخطه ، ويسرَّهم رضاه ، فيستدلوا بذلك على قدر طاعة الله ، إذ كان لا مثل له ، ولا نظير وهو خالقهم غير محتاج إليهم ، ورازقهم مبتدئا بالمن عليهم فإذا أوجبوا على أنفسهم طاعة سواه كان تعالى أحرى أن يتبع رضاه .
وللباطنية المتصوفة في هذا كلام كثير وخطب طويل .