كان يوم القيامة أقعده الله عزّوجلّ على العرش ، فهذا أفضل ممّا أُعطي سليمان .
قالَ لَهُ الْيَهُوديُّْ : فإنّ هذا سليمان قد سخّرت له الرياح ، فسارت به في بلاده
غدوّها شهر ورواحها شهر ؟
قالَ لَهُ عَلىٌّ ( عليه السلام ) : لقد كان كذلك ، ومحمّد ( صلى الله عليه وآله ) أُعطي ما هو أفضل من هذا ، إنّه
أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة شهر ، وعرج به في
ملكوت السماوات مسيرة خمسين ألف عام ، في أقلّ من ثُلث ليلة ، حتّى انتهى إلى
ساق العرش ، فدنى بالعلم فتدلّى من الجنّة رفرف أخضر ، وغشى النور بصره ، فرأى
عظمة ربّه عزّوجلّ بفؤاده ، ولم يرها بعينه ، فكان كقاب قوسين بينه وبينها أو أدنى ،
فأوحى الله إلى عبده ما أوحى ، وكان فيما أوحى إليه ، الآية التي في سورة البقرة
قوله : ( لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَْرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ
تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ
شَىْء قَدِيرٌ ) . ( 1 )
وكانت الآية قد عرضت على الأنبياء من لدن آدم ( عليه السلام ) إلى أن بعث الله تبارك
وتعالى محمّداً ، وعرضت على الأُمم فأبوا أن يقبلوها من ثقلها ، وقبلها رسول الله ،
وعرضها على أُمّته فقبلوها ، فلمّا رأى الله تبارك وتعالى منهم القبول علم أنّهم لا
يطيقونها ، فلمّا أن سار إلى ساق العرش كرّر عليه الكلام ليفهمه ، فقال : ( آمَنَ
الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ
وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِّن رُّسُلِهِ - فأجاب ( صلى الله عليه وآله ) مجيباً عنه وعن أُمّته
- ) ( 2 ) ، فقال جلّ ذكره : لهم الجنّة والمغفرة عليّ إن فعلوا ذلك . فقال النبىّ ( صلى الله عليه وآله ) : أمّا إذا
هامش
1 - البقرة : 2 / 284 .
2 - البقرة : 2 / 285 .