تشير اتجاهاته المتحركة إلى ما يبرر رفض إمكان هذه الأشياء ووقوعها وفقا
لظروف ووسائل خاصة ، فصعود الإنسان إلى كوكب الزهرة لا يوجد في العلم ما
يرفض وقوعه ، بل إن اتجاهاته القائمة فعلا تشير إلى إمكان ذلك ، وإن لم يكن
الصعود فعلا ميسورا لي أو لك ، لأن الفارق بين الصعود إلى الزهرة والصعود إلى
القمر ليس إلا فارق درجة ، ولا يمثل الصعود إلى الزهرة إلا مرحلة تذليل الصعاب
الإضافية التي تنشأ من كون المسافة أبعد ، فالصعود إلى الزهرة ممكن علميا وإن لم
يكن ممكنا عمليا فعلا ( 1 ) . وعلى العكس من ذلك الصعود إلى قرص الشمس في
كبد السماء فإنه غير ممكن علميا ، بمعنى أن العلم لا أمل له في وقوع ذلك ، إذ لا
يتصور علميا ، وتجريبيا إمكانية صنع ذلك الدرع الواقي من الاحتراق بحرارة
الشمس ، التي تمثل أتونا هائلا مستعرا بأعلى درجة تخطر على بال إنسان .
وأقصد بالإمكان المنطقي أو الفلسفي : أن لا يوجد لدى العقل وفق ما يدركه
من قوانين قبلية - أي سابقة على التجربة - ما يبرر رفض الشئ والحكم
باستحالته .
فوجود ثلاث برتقالات تنقسم بالتساوي وبدون كسر إلى نصفين ليس له
إمكان منطقي ، لأن العقل يدرك - قبل أن يمارس أي تجربة - أن الثلاثة عدد فردي
وليس زوجا ، فلا يمكن أن تنقسم بالتساوي ، لأن انقسامها بالتساوي يعني كونها
زوجا ، فتكون فردا وزوجا في وقت واحد ، وهذا تناقض ، والتناقض مستحيل
منطقيا . ولكن دخول الإنسان في النار دون أن يحترق ، وصعوده للشمس دون أن
تحرقه الشمس بحرارتها ليس مستحيلا من الناحية المنطقية ، إذ لا تناقض في
هامش
( 1 ) الكلام في وقته دقيق علميا ، فهو يقول : إنه ممكن علميا ، ولكنه لم يكن قد تحقق فعلا ،
والواقع أن كثيرا من الإنجازات في عالم الفضاء ، وتسيير المركبات الفضائية إلى كواكب وتوابع
الأرض وغيرها قد أصبح حقائق في أواخر القرن العشرين .