تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠

كلّ ذلك يظهر الدّعاء واللَّه تعالى مطَّلع عن خبث ضميره وخفيّ قصده وهو لجهله لا يدري أنّه قد تعرّض لمقت أعظم ممّا يتعرّض له الجهّال إذا جاهروا ، ومن ذلك الإصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجّب به فإنّه إنّما يظهر التعجّب ليزيد نشاط المغتاب في الغيبة فيندفع فيه فكأنّه يستخرج الغيبة منه بهذا الطريق فيقول : عجب ما علمت أنّه كذلك ، ما عرفته إلى الآن إلا بالخير وكنت أحسب فيه غير هذا عافانا اللَّه من بلائه ، فإنّ كلّ ذلك تصديق للمغتاب والتصديق للغيبة غيبة بل الساكت شريك القائل قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « المستمع أحد المغتابين » ( 1 ) . وقد روي عن أبي بكر وعمر أنّ أحدهما قال لصاحبه : إنّ فلانا لنؤوم ثمّ طلبا أدما من رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ليأكلا مع الخبز فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : قد ائتدمتما ، فقالا : لا نعلمه ، فقال : بلى إنّكما أكلتما من لحم صاحبكما » ( 2 ) . فانظر كيف جمعهما وكان القائل أحدهما والآخر مستمع وقال للرّجلين اللَّذين قال أحدهما لصاحبه : أقعص الرّجل كما يقعص الكلب : ( 3 ) « انهشا من هذه الجيفة » فجمع بينهما ، فالمستمع لا يخرج من إثم الغيبة إلا بأن ينكر لسانه وإن خاف فبقلبه وإن قدر على القيام أو قطع الكلام بكلام آخر فلم يفعله لزمه الإثم ، وإن قال بلسانه : اسكت وهو مشته لذلك بقلبه فذلك نفاق ولا يخرجه عن الإثم ما لم يكرمه بقلبه ، ولا يكفي في ذلك أن يشير باليد أي اسكت أو يشير بحاجبه وجبينه فإنّ ذلك استحقار للمذكور بل ينبغي أن يعظم ذلك فيذبّ عنه صريحا . قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من أذلّ عنده مؤمن وهو يقدر على أن ينصره أذلَّه اللَّه يوم القيامة على رؤس الخلائق » ( 4 ) . وقال أبو الدّرداء : قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من ردّ عن عرض أخيه بالغيب كان

هامش
( 1 ) أخرج الطبراني عن ابن عمر قال نهى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله عن الغيبة وعن الاستماع إلى الغيبة راجع مجمع الزوائد ج 8 ص 91 .
( 2 ) أخرجه الضياء المقدسي في المختارة عن أنس كما في الدر المنثور ج 6 ص 95 .
( 3 ) أخرجه أبو داود والنسائي كما تقدم .
( 4 ) أخرجه أحمد في مسنده ج 3 ص 487 من حديث سهل بن حنيف .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 260 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري