وإن كان غير ذلك فالسكوت خير منه وليس على الجوارح عبادة أخفّ مئونة وأفضل منزلة وأعظم قدرا عند اللَّه من الكلام فيه رضا اللَّه ولوجهه ونشر آلائه ونعمائه في عباده ، ألا ترى أنّ اللَّه عزّ وجلّ لم يجعل فيما بينه وبين رسله معنى يكشف ما أسرّ إليهم من مكنونات علمه ومخزونات وحيه غير الكلام ، وكذلك بين الرّسل والأمم ، فثبت بهذا أنّه أفضل الوسائل وألطف العبادة ، وكذلك لا معصية أثقل على العبد وأسرع عقوبة عند اللَّه ، وأشدّها ملامة ، وأعجلها سآمة عند الخلق منه ، واللَّسان ترجمان الضمير ، وصاحب خبر القلب ، وبه ينكشف ما في سرّ الباطن وعليه يحاسب الخلق يوم القيامة ، والكلام خمر يسكر العقول ما كان منه لغير اللَّه ، وليس شيء أحقّ بطول السجن من اللَّسان ، قال بعض الحكماء : احفظ لسانك عن خبث الكلام وفي غيره لا تسكت إن استطعت فأمّا السكينة فهو هيئة حسنة رفيعة من اللَّه عزّ وجلّ لأهلها وهم أمناء أسراره في أرضه » ( 1 ) . * ( فصل ) * قال : أبو حامد : وأما الآثار - قال طاوس : لساني سبع إن أطلقته أكلني . وقال وهب بن منبّه : في حكمة آل داود « حقّ على العاقل أن يكون عارفا بزمانه حافظا للسانه مقبلا على شأنه » ( 2 ) . وقال الحسن : ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه . وقال الأوزاعي : كتب إلينا عمر بن عبد العزيز : أمّا بعد فإنّ من أكثر ذكر الموت رضي من الدّنيا باليسير ، ومن عدّ كلامه من عمله قلّ كلامه فيما لا يعنيه . وقال بعضهم : الصّمت يجمع للرّجل خصلتين : السّلامة في دينه ، والفهم عن صاحبه . وقال محمّد بن الواسع لمالك بن دينار : يا أبا يحيى حفظ اللَّسان أشدّ على الناس من حفظ الدّنانير والدّراهم .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 197
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٩٧
هامش
( 1 ) المصدر الباب السادس والأربعون في الكلام .
( 2 ) راجع الترغيب والترهيب للمنذري ج 3 ص 531 .