أحدها أنّ التواضع والمخالطة لا ينقص من منصب من هو كبير بعلمه أو دينه إذ كان عليّ عليه السّلام يحمل التمر والمالح في ثوبه ويقول : لا ينقص الكامل من كماله * ما جرّ من نفع إلى عياله وكان حذيفة وأبيّ وابن مسعود يحملون حزمة الحطب وجراب الدّقيق وغيرها على أكتافهم . وكان سيّد المرسلين صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يشتري الشيء فيحمله إلى بيته بنفسه فيقول له صاحبه : أعطني أحمله ، فيقول : « صاحب المتاع أحقّ بحمله » ( 1 ) . وكان الحسن بن عليّ عليهما السّلام يمرّ بالسؤّال وبين أيديهم كسر فيقولون : هلَّم إلى الغداء يا ابن رسول اللَّه - وهم جلوس على الطريق - فكان ينزل على الطريق ويأكل معهم ، ويقول : إنّ الله لا يحبّ المستكبرين » ( 2 ) . الوجه الثاني أنّ الَّذي شغل نفسه بطلب رضا الناس عنه وتحسين اعتقادهم فيه مغرور ، لأنّه لو عرف حقّ المعرفة علم أنّ الخلق لا يغنون عنه من الله شيئا وأنّ ضرره ونفعه بيد الله ، فلا نافع ولا ضارّ إلا الله عزّ وجلّ ، وأنّ من طلب رضا الناس ومحبّتهم بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ، بل رضا الناس غاية لا تدرك فرضا الله تعالى أولى بالطلب ، ولذلك قيل : ليس إلى السلامة من الناس سبيل فانظر إلى ما يصلحك فافعله وقيل شعرا : من راقب الناس مات غمّا * وفاز بالرّاحة الجسور ونظر سهل إلى واحد من أصحابه فقال : اعمل كذا وكذا فقال : يا استادي لا أقدر عليه لأجل الناس ، فالتفت إلى أصحابه وقال : لا ينال عبد حقيقة من هذا الأمر حتّى يكون بأحد وصفين : عبد يسقط الناس من عينه فلا يرى في الدّنيا إلا
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 33
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٣
هامش
( 1 ) أخرجه أبو يعلى من حديث أبي هريرة في حمله عليه السّلام السراويل التي اشتراها . . وأخرجه ابن عساكر والطبراني في الأوسط بسند ضعيف كما في الجامع الصغير .
( 2 ) كتاب الفنون عن أحمد بن المؤدب ونزهة الابصار عن ابن المهدي كما في كتاب المناقب لابن شهرآشوب ج 4 ص 23 .