حيث قال : « مثل الجليس السوء كمثل القين إن لم يحرقك بشرر ناره ، علَّق بك من ريحه » ( 1 ) فكما أنّ الريح يعبق بالثوب ولا يشعر بها فكذلك يسهل الفساد على القلب وهو لا يشعر به . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « مثل الجليس الصّالح مثل صاحب المسك إن لا يهب لك منه تجد ريحه » ( 2 ) ولهذا أقول : من عرف من عالم زلَّة حرم عليه حكايتها ، لعلَّتين إحداهما أنّه غيبة والثانية - وهي أعظمها - أنّ حكايتها تهوّن على المستمعين أمر تلك الزّلَّة ويسقط من قلوبهم استعظامهم للإقدام عليها فيكون ذلك سببا لتهوين تلك المعصية فإنّه مهما وقع فيها واستنكر ذلك دفع الاستنكار فقال : كيف يستبعد هذا منّا وكلَّنا مضطرّون إلى مثله حتّى العلماء والعبّاد ولو اعتقد أنّ مثل ذلك لا يقدم عليه عالم فلا يتعاطاه مرموق ( 3 ) معتبر لشقّ عليه الإقدام ، والطبع اللَّئيم يميل إلى اتّباع الهفوات والإعراض عن الحسنات ، بل إلى تقدير الهفوة فيما لا هفوة فيه بالتنزيل على مقتضى الشهوة ليتعلَّل به ، وهذا من دقائق مكائد الشيطان ولذلك وصف الله تعالى المراغمين للشيطان فيها بقوله تعالى : « الَّذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه » ( 4 ) . وضرب صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لذلك مثلا وقال : « مثل الَّذي يجلس يستمع الحكمة ثمّ لا يحمل منها إلا شرّ ما يسمع كمثل رجل أتى راعيا فقال : يا راعي أجزر لي شاة من الغنم فقال : اذهب فخذ خير شاة فيها فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم » ( 5 ) . وممّا يدلّ على سقوط وقع الشيء عن القلب بسبب تكرّره ومشاهدته أن أكثر الناس إذا رأوا مسلما أفطر في نهار رمضان استبعدوه استبعادا يكاد يفضي اعتقادهم
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 18
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٨
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود ج 2 ص 558 والنسائي في اليوم والليلة كما في الترغيب ج 4 ج 50 في حديث : هكذا : « مثل الجليس السوء كمثل صاحب الكير ان لم يصبك من سواده أصابك من دخانه » والكير : زق ينفخ فيه الحداد ، والقين : الحداد .
( 2 ) جزء من الخبر السابق .
( 3 ) في الاحياء « موفق معتبر » .
( 4 ) الزمر : 20 .
( 5 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 4172 من حديث أبي هريرة وفيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف .