تعدل النفقة في سبيل اللَّه الدرهم بسبعمائة درهم وهو بمثابة الشدائد في طريق الجهاد فله بكلّ أذى احتمله وخسران أصابه ثواب ولا يضيع منه شيء عند اللَّه تعالى ، ويقال :
إنّ من علامة قبول الحجّ ترك ما كان عليه من المعاصي ، وأن يستبدل بإخوانه البطَّالين إخوانا صالحين وبمجالس اللَّهو والغفلة مجالس الذكر واليقظة .
* ( بيان الاعمال الباطنة ) *
* ( ووجه الإخلاص في النيّة وطريق الاعتبار بالمشاهد الشريفة وكيفيّة ) *
( الافتكار فيها والتذكَّر لأسرارها ومعانيها من أوّل الحجّ إلى آخره )
اعلم أنّ أوّل الحجّ الفهم أعني تفهّم موقع الحجّ من الدّين ، ثمّ الشوق إليه ، ثمّ العزم عليه ، ثمّ قطع العلائق المانعة منه ، ثمّ شراء ثوب الإحرام ، ثمّ شراء الزاد ، ثمّ اكتراء الراحلة ، ثمّ الخروج ، ثمّ السير في البادية ، ثمّ الإحرام من الميقات بالتلبية ، ثمّ دخول مكَّة ، ثمّ استتمام الأفعال كما سبق ، وفي كلّ واحدة من هذه الأمور تذكرة للمتذكَّر ، وعبرة للمعتبر ، ونيّة للمريد الصادق ، وتعريف وإشارة للفطن ، فلنرمز إلى مفاتحها حتّى إذا انفتح بابها وعرف أسبابها انكشف لكلّ حاجّ من أسرارها ما يقتضيه صفاء قلبه ، وطهارة باطنه ، وغزارة علمه .
أما الفهم فاعلم أنّه لا وصول إلى اللَّه تعالى إلا بالتنزّه عن الشهوات ، والكفّ عن اللَّذّات ، والاقتصار على الضرورات فيها ، والتجرّد للَّه سبحانه في جميع الحركات والسكنات ولأجل هذا انفرد الرّهابين [ 1 ] في الملل السالفة عن الخلق وانحازوا إلى قلل الجبال وآثروا التوحّش عن الخلق لطلب الأنس باللَّه فتركوا اللَّذّات الحاضرة وألزموا أنفسهم المجاهدات الشاقّة طمعا في الآخرة ، وأثنى اللَّه تعالى عليهم في كتابه فقال : « ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانا وأنّهم لا يستكبرون » [ 2 ] فلمّا اندرس ذلك وأقبل الخلق على اتّباع الشهوات وهجروا التجرّد لعبادة اللَّه تعالى وفتروا عنها بعث اللَّه تعالى محمّدا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم
هامش
[ 1 ] جمع رهبان - بالفتح - وهو المبالغ في الخوف كالخشيان .
[ 2 ] المائدة : 82 والقسيس والقس من رؤساء النصارى .