ومنه امّة قائمة منهم المهدي إلى يوم القيامة الَّذي يقضي بالحقّ ، معاشر الناس كلّ حلال دللتكم عليه وكلّ حرام نهيتكم عنه ، فإنّي لم أرجع عن ذلك ولم أبدّل ، ألا فاذكروا ذلك واحفظوه وتواصوا به ولا تبدّلوه ولا تغيّروه - الحديث بطوله [ 1 ] - وفيه أشياء أخر من هذا القبيل فكتموه وبدّلوه وغيّروه فضّلوا وأضلَّوا ، وقد أخبر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عن ذلك بما رووه عنه في كتبهم أنّه قال : « ليردنّ الناس من أصحابي عليّ الحوض حتّى إذا عرفتهم اختلجوا دوني [ 2 ] فأقول : أصحابي - وفي رواية أصيحابي أصيحابي - فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ( 1 ) » . قال أمير المؤمنين عليه السّلام : « يا معشر شيعتنا والمنتحلين ولايتنا إيّاكم وأصحاب الرأي فإنّهم أعداء السنن ، تفلَّتت منهم الأحاديث أن يحفظوها وأعيتهم السنّة أن يعوها فاتّخذوا عباد اللَّه خولا ، وماله دولا ، فذلَّت لهم الرقاب وأطاعهم الخلق أشباه الكلاب ، ونازعوا الحقّ وأهله ، وتمثّلوا بالأئمّة الصادقين ، وهم من الكفّار [ الجهّال ] الملاعين ، فسئلوا عمّا لا يعلمون فأنفوا أن يعترفوا بأنّهم لا يعلمون فعارضوا الدين بآرائهم وضلَّوا فأضلَّوا ، أمّا لو كان الدّين بالقياس لكان باطن الرجلين أولى بالمسح من ظاهرهما ( 2 ) » . ولمّا فات علماء العامّة وصوفيّتهم ما فات من معرفة الإمام والعلم بمسائل الحلال والحرام والفرائض والأحكام كما ينبغي استغرقوا في بحر البدع والضلالة وتاهوا في بيداء الحيرة والجهالة فربما يروى عن أحدهم أنّه كان يفرط في إتعاب نفسه بما لا عائدة فيه إليه وربما يفرّط فيما هو فرض عليه ، ولهذا تركنا ذكر أكثر ما نقله أبو حامد عنهم في هذا الكتاب من أقوالهم وأفعالهم فيما يحتاج فيه إلى السّماع إذ لا فائدة فيه ولا انتفاع .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 53
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٥٣
هامش
( 1 ) الجزء الثامن من صحيح البخاري باب الحوض من كتاب الدعوات ص 149 .
( 2 ) أورده المجلسي - رحمه اللَّه - في البحار كتاب العلم باب 14 من تفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السّلام .
[ 1 ] قطعة من خطبة النبي صلَّى اللَّه عليه وآله في حجة الوداع نقله جماعة منهم أبو علي محمد بن أحمد بن علي الفتال النيسابوري في الروضة ص 119 .
[ 2 ] والاختلاج : الانصراف .