تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥

الظواهر ولذلك قال تعالى : « ولكن لا تفقهون تسبيحهم » ( 1 ) أمّا القاصرون فلا يفهمون أصلا ، وأمّا المقرّبون والعلماء الراسخون فلا يفهمون كنهه وكماله إذ لكلّ شيء شهادات شتّى على تقديس اللَّه وتسبيحه ويدرك كلّ واحد بقدر رزقه وبصيرته ، وتعداد تلك الشهادات لا يليق بعلم المعاملة ، فهذا أيضا ممّا يتفاوت أرباب الظواهر وأرباب البصائر في علمه وتظهر به مفارقة الباطن للظاهر ، وفي هذا المقام لأرباب المقامات إسراف واقتصاد ، فمن مسرف في دفع الظواهر انتهى إلى تغيير جميع الظواهر أو أكثرها حتّى حملوا قوله تعالى : « تكلَّمنا أيديهم وتشهد أرجلهم » ( 2 ) وقوله : « وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الَّذي أنطق كلَّ شيء » ( 3 ) وكذلك المخاطبات الَّتي تجري من منكر ونكير ، وفي الميزان والحساب ، ومناظرات أهل النار ، وأهل الجنّة في قولهم : « أفيضوا علينا من الماء أو ممّا رزقكم الله » ( 4 ) زعموا أنّ كلّ ذلك لسان الحال وغلا آخرون في حسم الباب ( 5 ) منهم أحمد بن حنبل حتّى منع من تأويل قوله « كن فيكون » ( 6 ) وزعم أنّ ذلك خطاب بحرف وصوت يوجد من اللَّه تعالى في كلّ لحظة بعدد كلّ مكوّن حتّى سمعت بعض أصحابه يقول : إنّه حسم باب التأويل إلا لثلاثة ألفاظ : قوله عليه السّلام : « الحجر الأسود يمين اللَّه في الأرض » ( 7 ) وقوله عليه السّلام : « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرّحمن » ( 8 ) وقوله عليه السّلام : « إنّي لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن » ( 9 ) . ومال إلى حسم الباب أرباب الظواهر ، والظنّ بأحمد بن حنبل أنّه علم أنّ الاستواء ليس هو الاستقرار ، والنزول ليس هو الانتقال ، ولكنّه منع من التأويل حسما للباب ، ورعاية لصلاح الخلق فإنّه إذا فتح الباب اتّسع الخرق على الرافع وخرج عن الضبط وجاوز الاقتصاد إذ حدّ الاقتصاد لا ينضبط ، ولا بأس بهذا الزجر ويشهد له سيرة

هامش
( 1 ) الاسراء : 44 .
( 2 ) يس : 65 .
( 3 ) فصلت : 21 .
( 4 ) الأعراف : 50 .
( 5 ) الحسم : القطع .
( 6 ) يس : 82 .
( 7 ) الجامع الصغير باب الحاء عن الخطيب رواه في تاريخه ، ورواه الحاكم في المستدرك ج 1 ص 457 بنحو أبسط .
( 8 ) مر سابقا .
( 9 ) أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة كما في المغني .