منكرات في عصر الصحابة إذ من غرر المعروف في زماننا تزيين المساجد وتنجيدها وإنفاق الأموال العظيمة في دقائق عماراتها وبسط الفرش الرفيعة فيها وقد كان يعدّ فرش البواري في المسجد بدعة ، وقيل : إنّه من محدثات الحجّاج ، فقد كان الأوّلون قلَّما يجعلون بينهم وبين التراب حاجزا وكذا الاشتغال بدقائق الجدل ، والمناظرة من أجلّ علوم هذا الزمان ، ويزعمون أنّه من أعظم القربات وقد كان ذلك من المنكرات ، ومن ذلك التلحين في الأذان والقرآن ، ومن ذلك التقشّف في النظافة والوسوسة في الطهارة ، وتقدير الأسباب البعيدة في نجاسة الثياب مع التساهل في حلّ أكل الأطعمة وتحريمها إلى نظائر ذلك ، ولقد صدق ابن مسعود - رضي اللَّه عنه - حيث قال : أنتم اليوم في زمان الهوى فيه تابع للعلم وسيأتي عليكم زمان يكون العلم فيه تابعا للهوى . وقيل : تركوا العلم وأقبلوا على الغرائب ما أقلّ الفقه فيهم . واللَّه المستعان . وقيل : لم يكن الناس فيما مضى يسألون عن هذه الأمور كما يسأل الناس اليوم ولم يكن العلماء يقولون : حلال ولا حرام ، بل يقولون : مكروه ومستحبّ ، معناه أنّهم ينظرون في دقائق الكراهية والاستحباب ، فأمّا الحرام فكان تجنّبه ظاهرا . وقيل : لا تسألوهم اليوم عمّا أحدثوا فإنّهم قد أعدّوا له جوابا ولكن سلوهم عن السنّة فإنّهم لا يعرفونها ، وفي الحديث المشهور « من أحدث في ديننا ما ليس فيه فهو ردّ » [ 1 ] وفي حديث آخر « من غشّ أمّتي فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين ، قيل : يا رسول اللَّه وما غشّ أمّتك ؟ قال : أن يبتدع بدعة يحمل الناس عليها » ( 1 ) . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ للَّه ملكا ينادي كلّ يوم : من خالف سنّة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لم تنله شفاعته » ( 2 ) . ومثال الجاني على الدين بإبداع ما يخالف السنّة بالنسبة إلى من يذنب ذنبا مثال من عصى الملك في قلب دولته بالنسبة إلى من خالف أمره في خدمة معيّنة وذلك قد يغفر
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 167
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٦٧
هامش
( 1 ) قال العراقي : رواه الدارقطني في الافراد من حديث أنس بسند ضعيف .
( 2 ) ما عثرت على أصل له .
[ 1 ] متفق عليه من حديث عائشة بلفظ « في أمرنا » راجع الجامع الصغير باب الميم ، ومسند أحمد ج 6 ص 270 .