تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
شرح
إلا دعاء ونداءا فهم في الدنيا أيضا كذلك ، فإذا بطل بالموت حسهم لم يبق لهم إلا الضلال والوبال ، وإذا صرفها في طاعة ربه أبدله الله سمعا كاملا روحانيا لا يذهب بالصمم ولا بالموت ، فهو يسمع كلام الملائكة ويصغي إلى خطاب الرب تعالى في الآخرة والأولى ، ويفهم كلام الله وكلام الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ، فما منحه الله تعالى سمع قلبي روحاني لا يضعف بضعف البدن ولا يذهب بالموت ، وبه يسمع في القبر الخطاب ويعد الجواب ، ويناديهم الحبيب كما نادى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أهل القليب . وكذا أودع الله سبحانه حسا ضعيفا في البصر فإذا صرفه في مشتهيات نفسه ذهب الله بنوره وأعمى عين قلبه فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ، وإذا بذله في طاعة ربه نور الله عين قلبه وأعطى بصره نورا أعلى وأقوى فيه ينظر إلى الملكوت الأعلى ويتوسم في وجوه الخلق ما لا يعرف غيره ، ويرى الملائكة الروحانيين كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ، وقال تعالى : « إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ » ( 1 ) . وكذا قوة البطش البدنية إذا صرفها في طاعة الله وقربه ونهكها بالرياضات الحقة أعطاه الله قوة روحانية لا تضعف بالأمراض ، ولا تذهب بالموت فيها يقدر على التصرف في عالم الملك والملكوت ، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام : ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية بل بقوة ربانية . وكذا النطق إذا صدق فيه وكان موافقا لعمله ومصادفا لرضا ربه فتح الله به ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه فظهر معنى قوله سبحانه : كنت سمعه وبصره ، وغير ذلك على ألطف الوجوه لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . السادس : ما هو أرفع وأوقع وأحلى وأدق وألطف وأخفى مما مضى ، وهو أن العارف لما تخلى من شهواته وإرادته وتجلى محبة الحق على عقله وروحه ومسامعه
هامش
( 1 ) سورة الحجر : 75 .