تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
شرح
القلب عن شهوات الدنيا فهي من المنجيات ، إذ تكون جنة بين العبد وبين عذاب الله وأما الإنس والحب فهما من المسعدات وهي موصلان العبد إلى لذة اللقاء والمشاهدة وهذه السعادة تتعجل عقيب الموت إلى أن يدخل الجنة ، فيصير القبر روضة من رياض الجنة ، وكيف لا يكون كذلك ولم يكن له إلا محبوب واحد ، وكانت العوائق تعوقه عن الأنس بدوام ذكره ومطالعة جماله ، فارتفعت العوائق وأفلت من السجن ، وخلي بينه وبين محبوبة ، فقدم عليه مسرورا آمنا من الفرق ، وكيف لا يكون محب الدنيا عند الموت معذبا ولم يكن له محبوب إلا الدنيا ، وقد غصب منه وحيل بينه وبينه وسدت عليه طرق الحيلة في الرجوع إليه ، وليس الموت عدما إنما هو فراق لمحاب الدنيا وقدوم على الله تعالى . فإذا سالك طريق الآخرة هو المواظب على أسباب هذه الصفات الثلاث ، وهي الذكر والفكر والعمل الذي يفطمه عن شهوات الدنيا ، ويبغض إليه ملاذها ويقطعه عنها ، وكل ذلك لا يمكن إلا بصحة البدن ، وصحة البدن لا تنال إلا بالقوت والملبس والمسكن ويحتاج كل واحد إلى أسباب . فالقدر الذي لا بد منه من هذه الثلاثة إذا أخذه العبد من الدنيا للآخرة لم يكن من أبناء الدنيا ، وكانت الدنيا في حقه مزرعة الآخرة ، وإن أخذ ذلك على قصد التنعم ولحظ النفس صار من أبناء الدنيا ، وللراغبين في حظوظها إلا أن الرغبة في حظوظ الدنيا تنقسم إلى ما يعرض صاحبه لعذاب الله في الآخرة ، ويسمى ذلك حراما وإلى ما يحول بينه وبين الدرجات العلى ، ويعرضه لطول الحساب ، ويسمى ذلك حلالا والبصير يعلم أن طول الموقف في عرصات القيامة لأجل المحاسبة أيضا عذاب ، فمن نوقش في الحساب عذب فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : حلالها حساب وحرامها عقاب ، وقد قال أيضا : حلالها عذاب إلا أنه عذاب أخف من عذاب الحرام ، بل لو لم يكن الحساب لكان ما يفوت من الدرجات العلى في الجنة ، وما يرد