شرح
ثم استدل على بطلان مذهب التصديق بما ذكره من الآيات الدالة على اعتبار الإقرار في الإيمان الشرعي تخصيصا للغوي كما هو عند أهل التصديق وهذا جيد ، لكن دلالة الآيات على اعتبار الإقرار ممنوعة ، وقد بينا ذلك سابقا أن تكفيرهم إنما كان لجحدهم الإقرار وهو أخص من عدم الإقرار فتكفيرهم بالجحد لا يستلزم تكفيرهم بمطلق عدم الإقرار ليكون الإقرار معتبرا .
نعم اللازم من الآيات اعتبار عدم الجحد مع التصديق وهو أعم من الإقرار واعتبار الأعم لا يستلزم اعتبار الأخص وهو ظاهر .
وهذا جواب عن استدلاله بجميع الآيات ، ويزيد في الجواب عن الاستدلال بقوله تعالى ، في الحكاية عن موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : « لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ » ( 1 ) الآية أنه يجوز أن يكون نسب إلى فرعون العلم على طريق الملاطفة والملائمة حيث كان مأمورا بذلك بقوله : « فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً ، لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى » ( 2 ) وهذا شائع في الاستعمال كما يقال في المحاورات كثيرا ، وأنت خبير بأنه كذا وكذا ، مع أن المخاطب بذلك قد لا يكون عارفا بذلك المعنى أصلا ، بل قد لا يكون هناك مخاطب أصلا كما يقع في المؤلفات كثيرا .
وعلى هذا فلا تدل الآية على ثبوت العلم لفرعون ، ولو سلم ثبوته كان الحكم بكفره للجحد لا لعدم الإقرار مطلقا كما سبق بيانه .
واعلم أن المحقق الطوسي قدس سره اختار في فصوله الاكتفاء بالتصديق القلبي في تحقق الإيمان فكأنه رحمه الله لحظ ما ذكرناه ، وقد استدل بعض الشارحين بقوله تعالى : « أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمانَ » ( 3 ) وبقوله تعالى : « وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ » ( 4 ) فيكون حقيقة فيه ، فلو أطلق على غيره لزم الاشتراك أو المجاز
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : 102 .
( 2 ) سورة طه : 44 .
( 3 ) سورة المجادلة : 22 .
( 4 ) سورة الحجرات : 14 .