تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المباحث الأصولية — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
الأشاعرة ، منها قوله تعالى : ( يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) ( 1 ) ، فإن الآية الشريفة قد أسندت الضلالة والهداية إلى الله تعالى مع أنهما من أفعال العباد وتصدران منهم مباشرة ، وهذا ليس إلا من جهة أن العباد مجرد وسيلة وآلة لإيجادها بدون أن يكون لهم حول ولا قوة . والجواب : أن اسناد الضلالة والهداية إليه تعالى يكون على القاعدة باعتبار المقدمة الأُولى كما عرفت ، وهذا ليس معناه انه لا يصح اسنادهما إلى العبد ، فإنه كما يصح اسنادهما إليه تعالى كذلك يصح إلى العبد ، لما مرّ من أنه ليس مجرد آلة لإصدارها بدون حول ولا قوة له ، بل له سلطنة على الفعل مباشرة طالما تتوفر فيه المقدمة الأُولى ، وتقدم أن اسناد الفعل إلى كل منهما على نحو الحقيقة . ومنها قوله تعالى : ( قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إلاّ مَا شَاءَ اللهُ ) ( 2 ) بتقريب أنه يدل بوضوح على أن الانسان لا يملك شيئاً من النفع أو الضر لنفسه إلا ما شاء الله تعالى ، فإذا شاءه تعالى تحقق سواء شاء العبد أم لم يشأه ، وهذا معنى أنه لا حول له ولا قوة . والجواب أن الآية لا تدل على أنه لا حول للعبد ولا قوة له ، بل تدل على أن حوله وقوته على الفعل معلق على مشيئة الله تعالى وجود مبادئه فيه ، لما تقدم من أن مشيئة الله تعالى لا تتعلق بفعل العبد مباشرة وانما تتعلق بالإفاضة على مبادئه من حياته وقدرته وعلمه وما شاكل ذلك ، ودعوى أن مشيئته تعالى كما لا تتعلق بفعل العبد مباشرة كذلك لا تتعلق بمبادئه أيضاً بل تعلقها بكل منهما بالواسطة ، مدفوعة بأن هذه الدعوى وإن كانت صحيحة من جهة أن تعلق المشيئة بكل
هامش
( 1 ) سورة المدّثر ( 74 ) : 31 . ( 2 ) سورة الأعراف ( 7 ) : 188 .