بِكَلِمَات ) ( 1 ) ، وقوله : ( وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لاَنتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُم بِبَعْض ) . ( 2 )
وكلّ ما في القرآن من بلوى هذه الآيات التي شرح أوّلها فهي اختبار ، وأمثالها في القرآن كثيرة ، فهي إثبات الاختبار والبلوى ، إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يخلق الخلق عبثاً ، ولا أهملهم سدى ، ولا أظهر حكمته لعباً ، وبذلك أخبر في قوله : ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ) . ( 3 )
فإن قال قائل : فلم يعلم اللّه ما يكون من العباد حتّى اختبرهم ؟
قلنا : بلى ، قد علم ما يكون منهم قبل كونه ، وذلك قوله : ( وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ) . ( 4 )
وإنّما اختبرهم ليعلمهم عدله ، ولا يعذّبهم إلاّ بحجّة بعد الفعل ، وقد أخبر بقوله : ( وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَاب مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ) ( 5 ) ، وقوله : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) ( 6 ) ، وقوله : ( رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ) . ( 7 )
فالاختبار من اللّه بالاستطاعة التي ملّكها عبده ، وهو القول بين الجبر والتفويض ، وبهذا نطق القرآن ، وجرت الأخبار عن الأئمّة من آل الرسول ( عليهم السلام ) .
فإن قالوا : ما الحجّة في قول اللّه : ( يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ ) ( 8 ) وما أشبهها ؟
قيل : مجاز هذه الآيات كلّها على معنيين : أمّا أحدهما فإخبار عن قدرته ، أي إنّه قادر على هداية من يشاء وضلال من يشاء ، وإذا أجبرهم بقدرته على أحدهما لم يجب لهم ثواب ، ولا عليهم عقاب على نحو ما شرحنا في الكتاب .
والمعنى الآخر أنّ الهداية منه تعريفه كقوله : ( وَأمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ ) أي عرّفناهم ( فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) ( 9 ) فلو أجبرهم على الهدى لم يقدروا أن يضلّوا ، وليس كلّما وردت آية مشتبهة .
هامش
1 - البقرة : 2 / 124 .
2 - محمّد : 47 / 4 .
3 - المؤمنون : 23 / 115 .
4 - الأنعام : 6 / 28 .
5 - طه : 20 / 134 .
6 - الاسراء : 17 / 15 .
7 - النساء : 4 / 165 .
8 - فاطر : 35 / 8 .
في المصدر " يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء " وليست في القرآن آية هكذا ، والصحيح ما أثبته كما في الاحتجاج .
9 - فصّلت : 41 / 17 .