كأنما يصفرن من ملاعق
صرصرة لأقلام في المهارق « 1 »
وأبو نواس شاعر ماهر ، وهو من شعراء الدولة العباسية وله أخبار عجيبة ، ونكت غريبة ، وخمريات أبدع فيها ، واسمه الحسن بن هانىء بن عبد الأول . قال ابن خلكان في ترجمة أبي نواس قال المأمون : لو وصفت الدنيا نفسها لما وصفت بمثل قول « 2 » أبي نواس :
ألا كلّ حي هالك وابن هالك
وذو نسب في الهالكين عريق
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت
له عن عدو في ثياب صديق
قال « 3 » ومن أحسن ما أتى به من المغاني وأغربها ويدل على حسن ظنه باللَّه تعالى قوله :
تكثر ما استطعت من الخطايا
فإنك بالغ ربا غفورا
ستبصر إن وردت عليه عفوا
وتلقى سيدا ملكا كبيرا
تعض ندامة كفيك مما
تركت مخافة النار الشرورا
قال محمد بن نافع : رأيت أبا نواس في المنام بعد موته فقلت : يا أبا نواس ، فقال : لات حين كنية ، فقلت : الحسن بن هانىء قال : نعم ، قلت : ما فعل اللَّه بك ؟ قال : غفر لي بأبيات قلتها في علتي قبل موتي وهي تحت الوسادة ، قال : فأتيت أهله فقلت : هل قال أخي شعرا قبل موته ؟ قالوا : لا نعلم ، إلا إنه دعا بدواة وقرطاس وكتب شيئا لا ندري ما هو قال : فدخلت ورفعت وسادته فإذا أنا برقعة مكتوب فيها « 4 » :
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة
فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن
فمن الذي يدعو ويرجو المجرم « 5 »
أدعوك رب كما أمرت تضرعا
فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
ما لي إليك وسيلة إلا الرجا
وجميل عفوك ثم إني مسلم
قال : وسئل أبو نواس عن نسبه فقال : أغناني أدبي عن نسبي . وتوفي سنة أربع وتسعين ومائة .
والإوز يحب السباحة ، وفرخه يخرج من البيضة فيسبح في الحال ، وإذا حضنت الأنثى قام الذكر يحرسها لا يفارقها طرفة عين ، وتخرج أفراخها في أواخر الشهر . روى الإمام أحمد في المناقب ، عن الحسين بن كثير ، عن أبيه وكان قد أدرك عليا رضي اللَّه تعالى عنه ، قال : خرج علي بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه ، إلى صلاة الفجر فإذا إوز يصحن في وجهه ، فطردوهن فقال : دعوهن ، فإنهن نوائح ، فضربه ابن ملجم ، فقلت : يا أمير المؤمنين خل بيننا وبين مراد فلا
هامش
« 1 » المهارق : جمع المهرق : الصحيفة .
« 2 » ديوان أبي نواس : 465 . وفيه : « كل حي هالكا وذا نسب » .
« 3 » ديوانه : 307 . وفيه : « فإنك قاصد » .
« 4 » ديوانه : 587 .
« 5 » في الديوان : « فبمن يلوذ ويستجير المجرم » .