إنّ الأسود أسود الغاب همتها
يوم الكريهة في المسلوب لا السلب « 1 »
وقد أحسن خالد الكاتب « 2 » حيث قال :
علم الغيث الندى حتى إذا
ما وعاه علم البأس الأسد
فإذا الغيث مقرّ بالندى
وإذا الليث مقر بالجلد
ومن شعره :
ظفر الحب بقلب دنف
بك والسقم بجسم ناحل « 3 »
وبكى العاذل لي من رحمتي
فبكائي لبكاء العاذل « 4 »
وكان خالد شيخا كبيرا تأخذه السوداء أيام الباذنجان ، وكان الصبيان يتبعونه ويصيحون به يا خالد يا بارد ؛ فأسند ظهره يوما إلى قصر المعتصم وقال لهم : كيف أكون باردا وأنا الذي أقول :
بكى عاذلي من رحمتي فرحمته
وكم مسعد من مثله ومعين « 5 »
ورقّت دموع العين حتى كأنها
دموع دموعي لا دموع جفوني
وفي روضة العلماء ، أن نوحا عليه السلام ، لما غرس الكرمة ، جاءه إبليس فنفخ فيها فيبست ، فاغتم نوح لذلك وجلس متفكرا في أمرها ، فجاءه إبليس وسأله عن تفكيره ؟ فأخبره فقال له يا نبي اللَّه إن أردت أن تحضر الكرمة ، فدعني أذبح عليها سبعة أشياء فقال : افعل ، فذبح أسدا ودبا ونمرا وابن آوى وكلبا وثعلبا وديكا ، وصب دماءهم في أصل الكرمة فاخضرت من ساعتها ، وحملت سبعة ألوان من العنب ، وكانت قبل ذلك تحمل لونا واحدا فمن أجل ذلك يصير شارب الخمر شجاعا كالأسد وقويا كالدب وغضبان كالنمر ، ومحدثا كابن آوى ، ومقاتلا كالكلب ، ومتملَّقا كالثعلب ، ومصوتا كالديك ، فحرمت الخمر على قوم نوح . ونوح اسمه عبد الجبار ، وإنما سمي نوحا لنوحه على ذنوب أمته ، وأخوه صابىء بن لامك وإليه ينسب دين الصابئين فيما ذكروا واللَّه أعلم .
( تذنيب ) كان أبو مسلم « 6 » الخراساني واسمه عبد الرحمن بن مسلم بعد فراغه من أمر بني أمية ينشد كل وقت :
أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت
عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا
هامش
« 1 » ديوان أبي تمام : 17 .
« 2 » هو خالد بن يزيد البغدادي المعروف بالكاتب . شاعر غزل . عاش وتوفي في بغداد سنة 262 ه .
« 3 » الأغاني : 20 / 281 . وقلب دنف : قلت مريض .
« 4 » البيتان في وفيات الأعيان : 2 / 234 وفي الثاني : « من رحمته » .
« 5 » وفيات الأعيان : 2 / 236 وفيه « وكم مثله من » .
« 6 » أبو مسلم هو عبد الرحمن بن مسلم الخراساني ، القائم بالدعوة العباسية ، وهو من ولد بزرجمهر . وكان ملكا مهيبا جوادا . قتله المنصور غيلة سنة 137 ه . وفيات الأعيان : 3 / 145 . والأبيات مع ترجمته في وفيات الأعيان : 3 / 152 .