قوله تعالى :
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
يريد اختلافهم في الدين وإنما كان ذلك بغيا بينهم كما يذكره في مواضع من كلامه كقوله :
وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ
- إلى أن قال -
فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
( الجاثية / 17 ) .
فالمراد بقوله :
« يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ »
القضاء الفاصل بين الحق والباطل والمحق والمبطل والباقي ظاهر .
قوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ
الخ ؛ العطف على محذوف كأنه قيل : ألم يبين لهم كذا وكذا ، أو لم يهد لهم ، الخ ؛ والهداية بمعنى التبيين أو من مضمّن معنى التبيين ولذا عدّي باللام .
وقوله :
كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ
مشير إلى الفاعل قائم مقامه ، والمعنى : أو لم يبين لهم كثرة من أهلكنا من القرون والحال أنهم يمشون في مساكنهم .
وقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ
المراد بالسمع سمع المواعظ المؤدّي إلى طاعة الحق وقبوله .
قوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ
الخ ؛ قال في المجمع : السوق الحث على السير من ساقه يسوقه ، وقال : الجرز الأرض اليابسة التي ليس فيها نبات لانقطاع الأمطار عنها .
انتهى . والزرع مصدر في الأصل والمراد به هنا المزروع .
والآية تذكر آية أخرى من آيات اللّه سبحانه تدل على حسن تدبيره للأشياء وخاصة ذوي الحياة منها كالأنعام والإنسان ، والمراد بسوق الماء إلى الأرض الخالية من النبات سوق السحب الحاملة للأمطار إليها ، ففي نزول ماء المطر منها حياة الأرض وخروج الزرع واغتذاء الإنسان والأنعام التي يسخّرها ويربّيها لمقاصد حياته .